عربي
فيما أظهر العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران "حدود" القوّة العسكرية المتفوقة القادرة على "شل" من يقف في وجه الإمبراطورية الأميركية، لم تظهر مؤشرات بأن الدول العربية مستعدة لتعلم الدروس، والمبادرة إلى وقف التطبيع، أو حتّى تجميده مع إسرائيل، أو دعم الدول المهددة؛ لبنان مثلاً؛ في مواجهة التهديدات الإسرائيلية.
بل إن ما حدث ويحدث هو العكس؛ فهناك حالة من الرعب والخنوع تسود الموقف، بالرغم من أنّه ومن قبل الهجمة الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران ثبت أن اتّفاقيات "السلام" لا تحمي أيّ دولة عربية من التهديدات الإسرائيلية.
فبالنسبة لإسرائيل لا اتّفاقيات ولا تطبيع علاقات يغير من عقيدتها الصهيونية، بل بدأت بتنفيذ استراتيجية التمدد تحت شعار بناء المناطق الأمنية، باحتلال أراضٍ في الدول المحاذية تضعها تحت إمرتها العسكرية.
في ما تُطور إسرائيل استراتيجيتها التوسعية تُبقي الأطراف العربية على جمودٍ ذليل، فلا عقائد عسكرية ولا رؤى استراتيجية، ولا حرب الإبادة في قطاع غزّة ولا اجتياح أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية يغير "التمسك" العربي بوهم اتّفاقيات السلام لحماية نفسها وشعوبها، أي حماية الأنظمة، إذ يبدو أن مهادنة إسرائيل والتطبيع، وهما امتداد لتبعية الأنظمة، هما أهمّ مبادئ "الإستراتيجيات" العربية.
لذا؛ من الطبيعي أن يسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ربط اتّفاق وقف إطلاق النار ببدء مفاوضات لتوقيع اتّفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل، فمن ناحية يحقق مشروع واشنطن لدمج إسرائيل بالمنطقة، أي إنهاء حالة العداء لها، والتعامل معها باعتبارها دولةً أصيلةً، وبالتالي قبول مشروعها الاستعماري العنصري، خصوصاً أنّ عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 قد قطعت الطريق على اتّفاقية تطبيع إسرائيلية سعودية رسمية.
ليست عقلية مهادنة إسرائيل ما يحكم التطبيع بالأصل، بل الأهمّ أن الأنظمة العربية تنشد الحماية من الولايات المتّحدة، وإن كان ذلك لا ينطبق تماماً على طبيعية العلاقات الإسرائيلية الإماراتية
والآن توافرت الفرصة لسحب الجميع إلى الاتّفاقيات الإبراهيمية، الموقعة بين إسرائيل والإمارات عام 2020؛ أي جعل لبنان بوابة لجميع الدول العربية، تحت مظلة لا تعترف بمركزية أو حتّى وجود القضية الفلسطينية.
يجب أن يكون واضحاً أن الحفاظ على مسار التطبيع هو من أهم الأهداف الأميركية، ففي واشنطن لا تقاس الأمور بعدد الخسائر في الأرواح في فلسطين ولبنان، ولا في إيران، إنّما بمدى تأثر مسار التطبيع بالجرائم الإسرائيلية.
فالمهم أن يستمر التبادل التجاري والتعاون الأمني، والتواصل الدبلوماسي بين الدول العربية المرتبطة بمعاهدات مع إسرائيل. ووفقاً لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإنّ حرب الإبادة ضدّ الفلسطينيين لم تؤثر على مسار التطبيع بين إسرائيل والإمارات، لكنها ضيقت توسعه إلى بلاد أخرى، في ما تشهد العلاقات الأردنية الإسرائيلية أسوأ أزمة لدرجة انقطاع الاتصالات الرسمية أو التحادث الرسمي بين عمان وتل أبيب، لكن هذ "التدهور" لم يؤدِ إلى قطع العلاقات الأردنية الإسرائيلية، وإن أدى إلى قطع إمدادات الغاز من إسرائيل مرحلياً.
أي أن واشنطن قلقة على وضع العلاقات الأردنية -الإسرائيلية، فالقصر الملكي لا يثق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويعتبر عمليات التطهير العرقي في الضفّة الغربية ومخطط تهجير الفلسطينيين إلى الأردن خطراً وجودياً على الأردن.
لم تأبه إسرائيل بالمخاوف الأردنية، بل عاقبت الأردن بقطع ضخ الغاز الطبيعي إليه، ما حدا بالأخير لأوّل مرّة بالتوجه إلى الجزائر لبحث استيراد احتياجاته من الغاز، وهو ما اقترحته الكاتبة قبل توقيع اتّفاقية الغاز عام 2017، استناداً إلى عدم مشروعية الغاز الطبيعي المسروق أصلاً من الفلسطينيين، ورفضاً لربط حاجة الأردن من الطاقة مع عدو يهدد بأن الأردن جزء من أرض إسرائيل التاريخية، بالرغم من وجود معاهدة سلام منذ عام 1994.
يمكن اعتبار الأردن مثالاً على التناقض الموجود بين وعي الخطر الإسرائيلي وأبعاده، وما يوصف بشبه قطيعة في العلاقات، وعدم تأثير ذلك على معاهدة وادي عربة، فالأنظمة الّتي تعي خطر إسرائيل، تربط ذلك بنتنياهو وحكومته اليمينية حتّى الآن، وبدونالد ترامب في البيت الأبيض، وهذا وهم.
إذ لم يتغير المشروع الصهيوني منذ بدء تنفيذه في عشرينيات القرن الماضي، أي قبل النكبة، ولم يضغط الرئيس الأميركي جو بايدن على إسرائيل لوقف حرب الإبادة، بل استمر بدعمها وتسليحها.
ليست عقلية مهادنة إسرائيل ما يحكم التطبيع بالأصل، بل الأهمّ أن الأنظمة العربية تنشد الحماية من الولايات المتّحدة، وإن كان ذلك لا ينطبق تماماً على طبيعية العلاقات الإسرائيلية الإماراتية، فقد ظهر أن هناك قبولاً إماراتياً غير مسبوق، علنياً ورسمياً، لفكرة دولة إسرائيل، لم نشهده إلّا في أوساط القوى الانعزالية اللبنانية، وإن كنا نرى تيارت انعزالية مماثلة في دول عربية أخرى.
بالنسبة لإسرائيل لا اتّفاقيات ولا تطبيع علاقات يغير من عقيدتها الصهيونية، بل بدأت بتنفيذ استراتيجية التمدد تحت شعار بناء المناطق الأمنية، باحتلال أراضٍ في الدول المحاذية تضعها تحت إمرتها العسكرية
لكن ما يحدد موقف الدول العربية هو بقاء الأنظمة الحاكمة الّتي ربطت وجودها بالحماية الأميركية، وهنا يأتي السؤال الأهم: هل فهمت هذه الأنظمة أن واشنطن ليست معنية بحمايتها؟
سؤال التطبيع ومستقبله يعتمد كثيراً على الدروس الّتي تعلمتها أو لم تتعلمها الدول من مسار الحرب الأميركية على إيران؛ فوجود القواعد الأميركية في الخليج والأردن ودول عربية، هدفه حماية إسرائيل واستعمالها نقطة انطلاق لعمليات أميركية ضدّ بلاد أخرى.
فبالرغم من أن لا علاقة للدول العربية بقرار الحرب على ايران، كان عليها تحمل تبعاته، وأصبحت طرفاً من دون استشارتها أصلاً، والرد الإيراني؛ تتحدث الكاتبة هنا حصراً عن الرد على القواعد الأميركية، هو رد على عدوان أميركي أدخل الأراضي العربية في الحرب بحكم وجود هذه القواعد فيها وليس لموقف إيراني من أي دولة تستضيف هذه القواعد.
صحيح أن قصف إيران لمنشآت حيوية تجاوز الدفاع عن النفس، وهذا خطأ استراتيجي يعطي مبرراً للضغوط الأميركية لتصوير إيران عدواً وجودياً للعالم العربي بدلاً من إسرائيل، لكن لم يعد لهذه الحجج معنى، فأولاً هناك فرصة للعرب لتحديد العلاقة مع إيران بما يتجاوز الأجندة الأميركية، وثانياً التطبيع مع إسرائيل شيء مختلف جذرياً؛ لأنّه قبول مشروعها الاستعماري الإحلالي، وتوسعها الّذي لم يعد تهديداً بل أمراً واقعاً.
تسوق الكاتبة ما تقدم لأنّها تخشى؛ خصوصاً أن قطاع غزّة ولبنان بحاجة إلى إعادة إعمار؛ أن تستخدم دول نفطية مطبعة مع إسرائيل نفوذها للدفع بتطبيع لبناني – إسرائيلي، وقبول الأمر الواقع في قطاع غزّة، خصوصاً بعد نجاح واشنطن إلى الآن بتحويل ما يدعى بـ"مجلس السلام"، أي مجلس ترامب الاستعماري، إلى بديل عن الصوت الفلسطيني وصورة المنظّمات الأهلية، والأمم المتّحدة مرجعيةً وحكماً على وضع الأرض والسكان في قطاع غزّة، في ما يوفر غطاءً كاملاً للاحتلال الإسرائيلي، ويتبنى موقفه، وينفذ مخططاته لتقسيم قطاع غزّة، وتغيير ملامحه وتهجير أبنائه.
أخطر ما كشفته الحرب والعدوان الوحشي على إيران، أن مشاهد الدمار في قطاع غزّة لم تهز العالم العربي كفايةً لرفض "التطبيع"، وهو كلمة مرادفة للاستسلام للهيمنة الإسرائيلية، إذ يبدو أن صمود إيران أخاف الأنظمة العربية منها أكثر من خوفها من إسرائيل، بالرغم من أن الحرب أضعفت إيران، وثبت أنّها قوّة إقليمية لم تنجح أميركا في سحقها.
لكن لم توقظ الحرب إلى الآن الدول العربية من وهم "الحماية الأميركية"، وهذا ما جعل توسيع عملية التطبيع حاضراً، وإن كان التركيز على فتح بوابة لبنان فالمفتاح عند السعودية، فهي الأكثر تأثيراً على لبنان، وأميركا تريد أن تحقق خرقاً في لبنان للوصول إلى ما وصفه ترامب ونتنياهو "الجوهرة" الّتي لا يكتمل بسط الهيمنة الإسرائيلية من دون توقيعها.

أخبار ذات صلة.
كيف يؤثر تناول البيض بشكل يومي على الأعصاب؟
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة