عربي
تحدث الجريمة، جريمة قتل عشرات المدنيين في غزة أو لبنان أو اليمن أو طهران، أمام مرأى العالم ومسمعه، بل وتُوثَّق بالصور والفيديوهات وتنتشر في المواقع ووسائل التواصل. الكلّ يعرف الفاعل، والجميع يُدرك سبب قيامه بالجريمة، لكنّ هذا الفاعل ينجو من العقاب، وتُترك له الحرية لارتكاب أخرى وأخرى.
شاهد العالم إسرائيل على مدى عقود وهي ترتكب أبشع أشكال جرائم القتل، ووصلت إلى حدّ الإبادة الجماعية لسكان قطاع غزة وجنوب لبنان على مدى ثلاث سنوات متتالية، ولا تخشى ارتكاب الجريمة نفسها في أي مكان آخر، قريب من حدودها أو بعيد، لأنها تستطيع الإفلات من العقاب ومن تحمّل مسؤولية كل جريمة.
الذاكرة الجمعية البشرية عبر التاريخ لا يمكن أن تنسى كيف قامت دولة إسرائيل، لكن ثمة لحظات زمنية يُنسى فيها هذا الأصل الدموي، ليس فقط لإسرائيل، وإنما لعدة أحداث بشعة وقعت في مناطق مختلفة من العالم شهدت هي الأخرى نزاعات وحروباً إبادية، فيتم التعايش معها باعتبارها أمراً واقعاً غير قابل للتغيير آنذاك، فيما يُنتظر تغييره في زمن الأجيال المقبلة، وهكذا يُسلَّم "الانتظار" من جيل إلى آخر.
ولكي تُسقط عنها مسؤولية الجرائم، تُركّز إسرائيل على السردية الدعائية، وعلى حبكة روائية متقنة، فتقوم بنسج خيوط رواية مُضلِّلة وتنشرها في أكثر من منصة إعلامية دولية، بل وتُغرق السوق الإعلامية الدولية، من الجرائد إلى الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، بسرديتها الأحادية التي تُبرّر أفعالها. ومع تكرار السردية بأساليب مختلفة، يُشبَع المتلقي بها، وتُحجب عنه الحقيقة الواقعية.
لكي تُسقط عنها مسؤولية الجرائم، تُركّز إسرائيل على السردية الدعائية، وعلى حبكة روائية متقنة، فتقوم بنسج خيوط رواية مُضلِّلة وتنشرها في أكثر من منصة إعلامية دولية
كان المتلقي الذي تُركّز عليه الرواية الإسرائيلية هو الأوروبي والأميركي، حيث يشكّل المجال الغربي الأرضية الأولى الداعمة لها، والأساس التبريري الأول لكل أفعالها. ومن أبرز المبررات محرقة الهولوكوست في ألمانيا وخشية تكرارها في الشرق الأوسط، وقد عمدت الصحف الغربية والمؤسسات الإعلامية إلى تثبيت السردية الإسرائيلية، عبر إقحام مفرداتها وصياغة الأخبار بكلمات تستند إليها، لينتقل تداولها من مستوى الفرد إلى المجتمع، ومن المنزل إلى المؤسسات العامة والمدارس والجامعات، حتى تُصبح الأجيال ترى القضية من زاوية واحدة فقط، وتُصاغ السياسات والقوانين، وحتى الكتابات الأدبية والسينما، بناءً على هذه السردية.
حين يُقال: "مقتل العشرات في غزة بغارة جوية" في كبريات الصحف أو القنوات الدولية، ويتوقف الخبر عند هذا الحد، يكون ذلك كافياً لإنقاذ إسرائيل من مسؤولية الجريمة، إذ لا يُذكر اسم الفاعل ولا سبب الفعل، فيبقى الخبر ناقصاً من الإجابة عن الأسئلة: من؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهذا المنطق في صياغة الخبر ينعكس أيضاً على صناعة القرار والموقف السياسي لدى الدول الحليفة الكثيرة تجاه هذا الحدث الإجرامي.
اليوم، لم يعد المتلقي الأوروبي كافياً، إذ تحتاج إسرائيل، لتثبيت مبررات مشروعها "الدموي"، إلى تصديق المتلقي العربي روايتها. وإذا كانت حربها مع العرب لم تنتهِ منذ أكثر من ثمانين عاماً، فإنها نجحت في تقليل عدد المعادين لها عبر سنوات، إما بالقوة والردع والتخويف بالقتل والحصار، أو عبر الإغراء بالسلام والمال. لكن الأهم هو صناعة سردية دعائية تجعل العرب لا يكترثون لما تقوم به، بل ويتضامن بعضهم معها ضد العرب المعادين لها.
يتطلب هذا الأمر وسائل مادية ضخمة، ولذلك رُصدت ميزانيات كبيرة لإقامة مؤسسات إعلامية ناطقة بالعربية تتبنى الرواية الإسرائيلية لأي حدث، دون إعلان الارتباط المباشر بإسرائيل، وتُغرق السوق العربية بها عبر التكرار المستمر، حتى يقتنع المتلقي بالمبرر المصاغ لتبرير أي جريمة إسرائيلية، سواء كانت مجزرة بحق المئات أو قتل صحافي أو تفجير منازل. كما يتطلب ذلك سنوات من العمل والجهد والصبر على الأجيال الصاعدة، التي قد لا تكون على معرفة دقيقة بالتاريخ والأصل، لكنها تصطدم بالحاضر الأسود، فتأتي نتائج المشروع عكسية ومضادة.
من الصحافة ووسائل الإعلام إلى الجامعات ومراكز الفكر والأبحاث، ثم المؤسسات الحكومية ودوائر صناعة القرار، يعتمد الإسرائيليون على وجود أشخاص مؤمنين بسرديتهم في كل هذه المواقع، قادرين على الدفاع عنها بشراسة، حتى مع إدراكهم حقيقةً مغايرةً. ويكون دور هؤلاء الإلهاء وصناعة التيه لدى الجمهور في القضايا الكبرى المرتبطة بفلسطين وإسرائيل.
وقد شاهدنا خلال حرب غزة ولبنان وإيران، عبر مختلف الشاشات العربية والأجنبية، صحافيين وأكاديميين عرباً يهاجمون الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين بدلاً من الإسرائيليين، بل وامتد الهجوم إلى المتضامنين من مختلف الجنسيات والبلدان. وبذلك يؤثر هؤلاء في جمهورهم ويمنحون إسرائيل هامشاً إضافياً لارتكاب المزيد من الجرائم، بينما ينشغل المعادون لها بالصراع مع هذه النماذج، فتضيع خيوط تتبع الجريمة والفاعل وأسبابها.
إن تبنّي "الرواية الإسرائيلية" في الحروب الحالية بدأ ينخفض في الغرب مع تكشّف الحقائق، واستيقاظ عدد من الأوروبيين على واقع إجرامي غير مسبوق، على الأقل منذ حرب غزة 2023. وحتى مع تزايد تبنيها في المنطقة العربية من قبل بعض الأفراد والمؤسسات، فإن مصيرها الحتمي هو الانهيار، لأن الإسرائيليين أنفسهم لا يتركون أي مجال يمكن من خلاله تصديق روايتهم أو تبرير جرائمهم ضد البشرية.
أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة