عربي
كشفت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي عُقدت يوم أمس السبت أن النجاح التقني في إنجاز العملية الانتخابية يخفي وراءه شرخاً غائراً في جوهر الممارسة الديمقراطية، حيث حلّت العائلات والعشائر مكان الأحزاب السياسية، والتزكية بدلاً من التنافس، وتهميشاً سياسياً لمكونات أساسية في الشعب الفلسطيني.
ويرى مختصون في الانتخابات وسياسيون أن الشروط السياسية التي فرضتها القيادة الفلسطينية على العملية الانتخابية، والقيود الإجرائية في التسجيل، وتهديد المرشحين من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، أسفرت في النهاية عن وجود لاعب واحد في صندوق الاقتراع، وهو حركة فتح بصفتها الحزبية أو وراء ستار العائلات، لتكون الخلاصة أن فتح نافست فتح وفازت.
والأخطر، بحسب هؤلاء المختصين، أن الشرط السياسي الذي وضعته القيادة الفلسطينية سيكون على المدى البعيد قيداً حول رقبة السلطة الوطنية الفلسطينية، التي أفرغت الهيئات المحلية من أي مضمون وطني وسيادي، وحولتها إلى مجالس خدماتية منفصلة عن الواقع، دون أي بعد سياسي مرتبط بالسلطة وسيادتها، ما يجعل تهديد الاحتلال الدائم باستبدال السلطة بالمجالس المحلية، ولو على المدى البعيد، أمراً قابلاً للتحقق.
وبحسب رئيس لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي عقده بمشاركة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى اليوم الأحد، فقد فازت 197 هيئة في الانتخابات بالتزكية، فيما جرى الاقتراع ضمن 183 هيئة، لم تشمل ثلاثاً من المدن الكبرى، وهي رام الله ونابلس التي لم تترشح فيها سوى قائمة واحدة، وقلقيلية التي لم تترشح فيها أي قائمة، فيما بلغت نسبة المشاركة فيها 54%، بينما بلغت نسبة الأوراق الباطلة 4%، مقابل الأوراق البيضاء بـ1%، والأوراق الصحيحة بـ95%.
ويقول المحلل السياسي والخبير في شؤون الانتخابات جهاد حرب في تصريحات لـ"العربي الجديد": "فازت حركة فتح لأن المنافس لها الفتحاويون، وبالتالي هم في نفس البيت، وأغلب القوائم الانتخابية التي شاركت في الانتخابات هي قوائم تابعة لفتح بشكل رسمي أو في شكل عائلات أقطابها من الحركة أو تحالفت مع الحركة، أي أننا نتحدث عن منافسة داخل الحركة نفسها".
ويوضح حرب: "لدينا 421 هيئة محلية، منها 183 جرى فيها انتخابات تنافسية فقط، و40 هيئة محلية لم يترشح فيها أحد، و197 هيئة جرت الانتخابات فيها بناء على قوائم توافقية، مع التنويه بأن بلدة بيت أمر في الخليل جرى تأجيل الانتخابات فيها بسبب شجار عائلي على خلفية ثأر".
ويقول حرب: "وفقاً للأرقام أعلاه، نخلص إلى أن فتح نافست نفسها. على سبيل المثال، في بلدة بيتونيا غرب رام الله، فإن المرشح فتحاوي والقائمة المنافسة له فتحاوية، وكذلك في مدينة جنين هناك قائمتان لمرشحين مستقلين محسوبين على حركة فتح ينافسان قائمة رسمية لفتح، وفي مدينة البيرة الشيء نفسه". وبحسب حرب: "فإن هذه القوائم أغلبها إما أنها عائلية أو أن أقطابها فتح، وبالتالي النتيجة أن فتح نافست فتح في هذه الانتخابات".
وفي سؤال: لماذا وصلنا إلى وضع غير صحي وبعيد عن جوهر الديمقراطية؟ أجاب حرب: "نحن أمام إشكاليات أعمق من ذلك، أولاً: القانون الذي جاء بشرط سياسي يفرض الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية حدّ من المنافسة السياسية، وثانياً: هناك شرط تقني بأن يكون عدد القائمة المرشحة عدد أعضاء المجلس المحلي نفسه، وهذا الشرط حدّ من وجود قوى اجتماعية وسياسية ناشئة، وهناك سبب آخر يتمثل في الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني سواء في الضفة وقطاع غزة من عدوان مستمر وإرهاب المستوطنين، وغياب الثقة بالمجالس المحلية".
ويقول حرب: "كل ما سبق حدّ من وجود منافسة حقيقية في أغلب المجالس المحلية في الضفة الغربية، ما أدى إلى أن تقوم النخب السياسية والعائلية بحرمان المواطنين من الترشح والانتخاب، لأن التوافق بين هذه النخب منع المواطن من حقه الدستوري بالانتخابات، وصودر هذا الحق بطريقة ناعمة، ما يؤدي إلى التحكم بالمجتمع من قبل نخب عائلية وعشائرية وحزبية".
وفي 27 يناير/كانون الثاني 2026، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً يقضي بتعديل على القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية وتعديلاته، وينص المرسوم على تعديل الفقرة (2) من المادة 16 من القانون الأصلي لتصبح على النحو الآتي: "إقرار من مرشحي القائمة بقبولهم الترشح في القائمة، والتزامهم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".
كما تضمن المرسوم تعديل الفقرة (1) من المادة 19 لتصبح على النحو الآتي: "يتم تسجيل المرشحين الذين يرغبون بالترشح لعضوية المجالس القروية وفق أنظمة وإجراءات اللجنة وعلى النموذج الذي تعده اللجنة لهذا الغرض، مرفقاً معه إقرار من المرشح بالتزامه بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".
ويرى القيادي الفتحاوي عوني المشني أن هذا الشرط السياسي أدى إلى إفراغ الانتخابات من مضمونها السياسي، لافتاً إلى أنه على المدى البعيد، ستدفع السلطة الفلسطينية هذا الثمن لصالح الاحتلال.
ويقول المشني في تصريحات لـ"العربي الجديد": "أخشى أن تكون هذه الانتخابات سياقاً لتقوية نزعة الحكم المحلي من بلديات ومجالس محلية على حساب سيادة السلطة الفلسطينية السياسية، وبالتالي هذه خطوة في إضعاف السلطة السياسية لتشكيل بديل بطريقة أو بأخرى، ورغم الثقة الكبيرة بالمواطن الفلسطيني ومن نجح في الانتخابات، لكن هذا ما يريده الاحتلال الإسرائيلي، وهكذا يُفهم السكوت الإسرائيلي على إجراء هذه الانتخابات".
ويعتقد المشني أن الانتخابات كانت عائلية أكثر منها سياسية، وأن الشرط السياسي أفرغها من مضمونها السياسي، وبالتالي تحولت إلى انتخابات عائلية شخصية أكثر منها سياسية. ويقول المشني: "لا توجد قوى سياسية متنافسة، ما جرى هو أن فتح نافست نفسها وقالت إنها فازت، هذه ليست انتخابات سياسية".
ويضيف المشني: "اليوم الهم الفلسطيني أكبر من الانتخابات، اليوم الهم هو حماية الفلسطيني الذي يُقتل كل يوم، والأرض الفلسطينية التي يُستولى عليها من قبل الاحتلال والمستوطنين، وهذه قضايا ذات طابع سياسي، والانتخابات لا تعالجها ولا تؤثر فيها، ما يعالج الوضع الفلسطيني اليوم هو استراتيجية سياسية تقوم على حماية الفلسطيني وأرضه، وبالتالي ما هو مضمون أي انتخابات تبتعد عن الهم الوجودي والوطني والسياسي للفلسطيني؟".

أخبار ذات صلة.
«البوندسليغا»: شتوتغارت يتعادل مع بريمن
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق
9 أطعمة لتعزيز صحة الدماغ والحد من خطر الخرف
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة