النجاح كما نكتشفه لاحقاً
عربي
منذ يوم
مشاركة
مع احتفالي مؤخّراً ببلوغي الخمسين من العمر، وجدت نفسي مرّةً أخرى أمام ذلك النوع من الأسئلة الذي طرق بابي في نهايات العشرين والثلاثين، تلك الأسئلة التي تأتي متأخّرة، وثقيلة، ومشحونة بالتأمّل. نظرت إلى السنوات التي مضت، وإلى الإنسان الذي أصبحت عليه، وسألت نفسي ببساطة مرّةً أخرى:هل نجحت؟ السؤال أوسع من أن يُجاب عليه بنعم أو لا، وأكبر من أن يُحسم بلحظة رضا عابرة أو ندم مؤقّت. لقد حقّقت كثيراً من أحلام الطفولة، وسرت في دروب لم أكن أتخيّلها قط، ولربما بقي حلم واحد فقط مُعلّقاً في سقف الخيال، ذلك الذي حلمت فيه بأن أصبح رائد فضاء. لم أغادر الأرض فعلياً، لكنني أدركت مع الوقت أنّ الإنسان قد يسافر في فضاءات أخرى أكثر عمقاً من السماء؛ فضاءات التجربة، والمعرفة، والحبّ، والعمل، والخسارة، والنضج. ولنضع أمانينا جميعاً بدخول الجنة جانباً للحظة، ولنفكّر في النجاح الأرضي في هذه الدنيا، فكيف نعرّف النجاح في عالمنا العربي المعاصر؟ هل هي الثروات المادية التي نجمعها؟ هل يُقاس الإنسان بما يملك من أرصدة وعقارات ومظاهر؟ أم أنّ النجاح يكمن في الشهادات العلمية، والألقاب الأكاديمية، والمُسميّات التي تسبق أسماءنا وتمنحنا وجاهة اجتماعية؟ أم أنّه في المناصب والسلطة، وفي القدرة على تقرير المصائر، وفي المكان الذي نحتله داخل هرم الدولة أو المؤسسة أو العشيرة؟  الإنسان قد يسافر في فضاءات أخرى أكثر عمقاً من السماء؛ فضاءات التجربة، والمعرفة، والحب، والعمل، والخسارة، والنضج في كثير من البيئات العربية، لا يزال النجاح مُرتبطاً بصورة تقليدية واضحة؛ وظيفة مرموقة، ودخل مرتفع، ومنزل محترم، وسيارة فارهة، وربما لقب مهني يُثير الإعجاب. هذا النموذج لم يأتِ من فراغ، بل نشأ في سياقات كانت ترى الاستقرار الاقتصادي خلاصاً، وترى في الأمان الوظيفي انتصاراً على القلق. لكن العالم تغيّر، وأصبحت هذه المعايير، رغم أهميتها، غير كافية لتفسير المعنى الكامل لحياة الإنسان. المال، والمنصب، والدرجات العلمية كلّها إنجازات مُعتبرة قد تكون علامات نجاح لدى البعض، لكنها ليست تعريفاً مطلقاً للنجاح، ولا معياراً يصلح لكلّ إنسان. وفي المقابل، ظهرت نماذج جديدة للنجاح تدفعها العولمة والفضاء الرقمي، حيث أصبح التأثير، وعدد المتابعين، والحضور الإعلامي، والانتشار الإلكتروني، مؤشّرات جديدة للمكانة. إلا أنّ هذا النموذج بدوره لا يخلو من الخلط بين الشهرة أو الوصول، وبين النجاح بمعناه الأوسع. كونك مؤثّراً ولديك متابعون يثبت شيئاً مُحدّداً فقط، ألا وهو أنك استطعت جذب الانتباه أو بناء جمهور. لكنه لا يثبت تلقائياً أنّك ناجح في كلّ معنى آخر، ناهيك عن هشاشة هذا النجاح ووقوعه دوماً تحت رحمة المنصّة وخوارزمياتها.  ثم هناك بعداً أكثر هدوءاً وعمقاً، غالباً ما يجرى تجاهله في الخطاب العام، وهو النجاح في الحياة الشخصية والإنسانية. ماذا عن القدرة على الحبّ؟ على بناء أسرة مُتماسكة؟ على تربية أبناء أسوياء؟ على الاحتفاظ بأصدقاء حقيقيين؟ على أن يكون الإنسان مصدر طمأنينة لا مصدر قلق لمن حوله؟ في مجتمعاتنا العربية، حيث الأسرة نواة المجتمع، يُفترض أن يكون هذا النوع من النجاح في صدارة المعايير، لكنه كثيراً ما يُهمّش لصالح الإنجازات المرئية والقابلة للعرض. الإنسان قد لا يحصل على كل ما أراد، لكنّه يستطيع أن يستمتع بما حصل عليه وثمّة وجه آخر للنجاح لا يُقاس بالمال ولا بالمناصب، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. نجاحٌ يُرى في حقٍّ عامٍ دافع عنه، أو مشكلة ساهم في حلّها، أو علمٍ ينتفع به، أو عثرة مُحتاج جبرها، أو فرصة أتاحها لغيره، أو مؤسّسة أصبحت أفضل بسببه. فبعض الناس يغادرون مواقعهم وتبقى بصمتهم حاضرة في من عملوا معهم وفي ما أصلحوه من حولهم. ذلك الإرث الهادئ، وإن لم تصاحبه الأضواء، قد يكون من أصدق صور النجاح وأكثرها بقاءً. بعد هذا كلّه، هل نستطيع القول إنّ النجاح بناء نسبي يتغيّر بتغيّر الزمن والثقافة والمرحلة العمرية؟ ما كان يُعدّ نجاحاً لدى جيل الآباء، كالحصول على وظيفة حكومية مستقرّة أو ثروة صغيرة من خلال الأعمال العائلية، لربّما لم يعد كافياً لجيل يبحث عن الحرية والتأثير وتحقيق الذات. وما يراه شاب في العشرين قمّة الطموح، قد يراه رجل في الخمسين مجرّد تفصيل صغير في حياة أوسع. لهذا تصبح سنوات النضج فرصة ثمينة لمراجعة المقاييس التي ورثناها من دون تمحيص. عندما أنظر اليوم إلى نفسي، لا أرى فشل حلم الطفولة بأن أسافر عبر الفضاء، بل أرى أنّني عشت أشكالاً أخرى من التحليق. سافرت في تجارب، وواجهت تحديات، وتعلّمت من الانكسارات أكثر مما تعلّمت من الانتصارات. أدركت أنّ الإنسان قد لا يحصل على كلّ ما أراد، لكنه يستطيع أن يستمتع بما حصل عليه. في نهاية المطاف، يبدو لي أنّ النجاح ليس تعريفاً ثابتاً، ولا قالباً جاهزاً يُفرض على الجميع. النجاح شيء نسبي بامتياز، يتشكّل من ظروف الإنسان وقيمه وأولوياته. وقد يكون أعظم أشكاله هو الرضا؛ ذلك الشعور الهادئ بأنّك عشت كما ينبغي لك أن تعيش، لا كما أراد الآخرون لك. أمّا السعادة، فهي ليست احتفالاً دائماً، بل قدرة على التصالح مع الذات، وعلى قبول النقص والخسارة، وعلى تقدير ما تحقّق من دون حسرة على ما ضاع. وفي الخمسين، أرى أنّ النجاح الحقيقي لا يكمن في رأي الناس، ولا تصفيقهم، بل في النوم بسلام، والاستيقاظ في اليوم التالي وأنا مدرك بطريقتي الخاصة أنني قطعت كثيراً من الأشواط، ولربّما ما زالت أمامي بضعة أشواط أخرى لقطعها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية