عربي
كانت سارة بسيسو بعمر المراهقة عندما هشّمت الحرب الإسرائيلية على غزة وجهها وجسدها بحروق بليغة، قبل أن تحط رحالها في الولايات المتحدة حيث أقسمت أنها لو كانت تدرك آلام العلاج لما خرجت من النار.
نجت الفلسطينية سارة بسيسو من الإبادة بعد إصابتها خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، وكانت تبلغ من العمر حينها 17 عاماً. ووصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج قبل نحو عام ونصف العام، وهي تعاني من حروق شديدة تغطي جسدها. تقول لـ"العربي الجديد" إنّها توقفت عن عدّ العمليات التي أُجريت لها، لكنّها تشعر بالامتنان لأنّ وضعها، على الرغم من صعوبته، آخذٌ بالتحسن بعد رحلة علاج طويلة ومُضنية.
تمكّنت سارة عن طريق دعم مؤسّسة هيل بالستاين (شفاء فلسطين) من بدء رحلة العلاج في الولايات المتحدة، حيث تعيش في ولاية نيوجيرسي مع والدتها وشقيقتها. كانت بسيسو في آخر سنة توجيهي (الثانوية العامة) عندما اندلعت الحرب، "ولم تكن كأي حرب أخرى عرفناها من قبل"، بحسب قولها. وتصف لحظة إصابتها بالقول: "كنا في الداخل (بيت جدي) وسمعنا الزنّانات والطائرات الإسرائيلية من حولنا... كان أخواني أحمد وحمود في الخارج... ناداني أحمد وقال إنّ حمود خائف، فخرجت لتهدئته واحتضانه. وفي طريق عودتنا من الساحة إلى البيت، شعرتُ بشيء حار جداً خبط بي ودفعني خطوات عدّة إلى الأمام، وبعدها اشتعل المطبخ بالكامل، وبدأت النيران تحرق كل شيء... وفي أثناء محاولتي لاستيعاب ما يحدث لاحظت أن حذائي الجلدي احترق واحترقت قدماي ونظارتي الطبية، ولا أدري لماذا نسيت أن حمود كان معي، وأننا داخل ألسنة النار. اعتقدت أن أحمد سحبه، لكن النار جاءت من طرف أحمد... كان كل جسمه مثقوباً، لقد أصابه الصاروخ". تتابع وهي تلتقط أنفاسها: "كنتُ أصرخ، ولكن النار كانت تبتلع صوتي… سحبني أبي من النار".
انتقلت سارة إلى الأردن ضمن إجلاء طبي، لكن حالتها لم تتحسّن، فانتقلت إلى الولايات المتحدة عن طريق مصر
توفي شقيقا سارة، أحمد (16 عاماً) وحمود (8 أعوام)، أحدهما على الفور والثاني بعد أيام متأثراً بجروحه وحروقه من الدرجة الرابعة، وباستنشاقه الدخان. تستذكر سارة كيف كانت مستلقية تتألم بسبب الحروق، وتسمع صوته وأنينه في غرفة مجاورة، من دون أن يتمكن أحد من مساعدته بسبب حجم الإصابة والحصار والقصف. وتروي كيف خاطر والدها تحت القصف، ونقلها إلى أحد المستشفيات القريبة حيث وفّر لها الأطباء محلولاً لتعويض بعض السوائل التي فقدتها، ناصحين والدها بالعودة بها إلى البيت، "نظراً لغياب العلاج والأدوية وكون المستشفى محاصراً".
انتقلت سارة إلى الأردن ضمن إجلاء طبي، لكن حالتها لم تتحسّن، فانتقلت إلى الولايات المتحدة عن طريق مصر التي بقيت فيها لفترة وجيزة. وعن مراحل علاجها في الولايات المتحدة، تقول: "في الأشهر الثلاثة والنصف الأولى كنتُ في العناية المركزة، وخضعتُ لعدد كبير من العمليات لم أعرف كم هو عددها. وحتى الآن يجري العمل على ترميم الجلد، وحركة أصابعي محدودة، وجزء من العمليات هو من أجل تحسين الجلد".
عام ونصف العام من العمليات المُضنية وما زالت رحلة العلاج طويلة. تستعيد بسيسو الذكريات بألم. كيف استولى الجيش الإسرائيلي على منزلهم لفترة، فضلاً عن استهدافه. استشهاد أخوَيها أحمد وحمود، تشتّت أفراد العائلة خارج غزة، وجود والدتها وشقيقتها معها في الولايات المتحدة.
وتختزل مشاعرها إزاء هذا الوضع بالقول: "إنها مسألة صعبة، وخصوصاً في الأوقات التي تنقطع فيها شبكة الإنترنت في غزة، ونعجز عن التواصل معهم، كما أن كل خبر حول قصف في منطقة ما يثير الكثير من الرعب، إذ لا يحدد الإعلام بالضبط التفاصيل، ما يترك الكثير من التكهنات والخوف على مصير الأحباء".
وعن العلاج في الولايات المتحدة، تقول: "عندما وصلتُ كانت حالة وجهي حرجة، ولم يكن بمقدوري تحريك فمي ورقبتي ومفاصلي، ولكنّني الآن أقوى على تحريكها. وفي الأسابيع الأولى كنتُ في العناية المركزة وكان الوضع صعباً جداً... شعرتُ بالوحدة على الرغم من أنّني لا أعاني مشكلة في التواصل باللغة الإنكليزية".
وتتابع: "شعرتُ أن مَن حولي ليسوا مني ولا أنتمي إليهم ولا أعرفهم. شعرت باختناق في الأيام الأولى، ولكنّني حظيتُ بحنان الممرضات، كما أشعر أحياناً بآلام شديدة خلال العلاج الطبيعي وكأنّ كل جسمي سيتمزق. كانت تتوقف المعالجة أحياناً ويبدأ العلاج بالرقص والموسيقى، وكان الطاقم ينضم إلينا. لقد أحببتهم كثيراً".
تصف بسيسو مشاعر الخوف التي تراودها والألم الشديد، قائلةً: "في البداية كان ينتابني شعور شديد بالخوف، فضلاً عن العمليات، وكنت أخشى الموت تحت ثقل هذه العمليات... أقسمتُ مرةً أمام إحدى المُعالِجات بما معناه أنّني لو كنتُ أعرف أن الآلام خلال فترة العلاج ستكون على هذا النحو، لما خرجتُ من النار. الأمر الذي أثار خوفها عليّ، فكان أن طلبوا متخصّصاً في علم النفس، اعتقاداً منهم بأنّني قد أؤذي نفسي، وكذلك فعلت مؤسّسة هيل بالستاين.
تتحدث سارة عمّا يؤلمها أحياناً في تعامل الكثيرين مع غزة وفلسطين، وتقول: "لسنا شحاذين أو مشروع صدقة... ولسنا جائعين، إنّما ظروفنا فُرضت علينا. كانت غزة مدينة جميلة... لم أشعر بالخوف في غزة... على سبيل المثال، أعاني من مشكلة في الاتجاهات، وكنتُ دائماً أتوه وأجد طريقي، لأنّ هناك دائماً من يريد أن يساعد... كنتُ أشعر أن كل شخص في الشارع ينتمي إليّ، وأنّه مهما تُهت، لا مجال للخوف في غزة".
تستذكر غزة بابتسامة، وتضيف: "هنا، أمشي في الشارع ذاته منذ عامٍ، ولكنّني لا أشعر أنّ فيه شيئاً أنتمي له. غزة كانت مدينة تبعث بخيرها ونِعمها على الجميع، غير أن الظروف التي مررنا بها صعبة، ومن الممكن أن يمر بها كل شخص...".
تُخبر بسيسو أنّها لا تعرف ما الذي كانت تنوي دراسته، ولكنها من عائلة يكثر فيها الأطباء، وغالباً كانت ستتوجه لذلك المجال. وتتوقع أن تستمر علاجاتها لعام إضافي أو عام ونصف العام، فيما تحاول التحضير للامتحانات المطلوبة، لتُقرّر تخصصها على ضوء علاماتها.
تستذكر سارة أحد مخيّمات مؤسّسة هيل بالستياين في الصيف الماضي، وتقول إنّه كان رائعاً، وتضيف: "كنا في أحضان الطبيعة وتحت ظلال الأشجار، برفقة فلسطينيين من غزة ومن مناطق مختلفة، يفهمون ما مررت به. وقد تمكنتُ تلك الفترة من النوم من دون أي مشاكل".
ترتسم علامات الفرح على وجهها عندما تستذكر فعالية ركوب الخيل، خصوصاً أنّها كانت تركب الخيل في غزة. وتقول: "كان المخيم الصيفي الفرصة الأولى لركوب الخيل منذ الحادثة، وكان شعوري لا يوصف...". تسترجع شريط ذكرياتها مع الخيول العربية التي كان والدها يدرّبها، رفقة إخوانها، على ركوبها منذ عمر صغير، وكيف كان يتحدّاهم ليكتشف مهاراتهم. وتشير إلى أنّها شعرت بخوف شديد في المخيّم قبل ركوبها الخيل، إذ كان عليها أن تُمسك اللجام بيديها، علماً أنه لا يمكنها تحريك يدها اليُسرى بالكامل، ما أثار لديها مشاعر القلق لجهة فقدان السيطرة على الخيل، لكنها نجحت من ذلك.
وفي حين كانت آخر بيانات منظمة الصحة العالمية قد أشارت إلى أن أكثر من 18 ألف مريض وجريح فلسطيني في غزة ما زالوا بحاجة إلى الإجلاء الطبي، ترفض إسرائيل إعطاء تأشيرات الدخول للكثير من الأطباء الأجانب أو من أصول فلسطينية الذين يريدون الدخول لتقديم المساعدة. أحد هؤلاء الطبيب الأميركي من أصول فلسطينية ثائر أحمد الذي دخل مرات عدّة إلى غزة قبل حرب الإبادة وبعدها، فيما مُنع من الدخول مرات أخرى. وتعليقاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو في أغسطس/ آب الماضي لجهة وقف تأشيرات الإجلاء الطبي من غزة إلى الولايات المتحدة، يقول أحمد في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "سيُلاحق قرار وقف التأشيرات الإنسانية لأطفال غزة، وزير الخارجية طوال مسيرته المهنية. إنّه أحد أكثر القرارات قسوةً وإيلاماً. وقد سبق أن أُجليَ عددٌ منهم إلى دالاس وشيكاغو، والتقيت العديد منهم. واللافت أن الولايات المتحدة استقبلت أقل من 80 طفلاً، بينما نسمع عن دولٍ أخرى في المنطقة استقبلت أكثر من ألفَي حالة، علماً أن الولايات المتحدة تحتضن أطباء متخصّصين قادرين على مساعدة هؤلاء الأطفال في إصاباتهم، فيما لا تتوفر معظم هذه التخصّصات حول العالم".
ويتابع أحمد: "قررت الحكومة الأميركية إغلاق هذه الأبواب... إنّه قرار كارثي بكل معنى الكلمة، علماً أن العائلات الفلسطينية التي تأتي للعلاج في الولايات المتحدة لا تنوي البقاء. وقد عادت بالفعل إحدى الحالات التي عملتُ عليها، إذ يقيم أفراد تلك العائلة في مصر، بانتظار فتح الحدود ليلتئم شملهم مع عائلاتهم". وعن خلفية القرار، يوضح أن "أموال دافعي الضرائب لا تُنفق على الأطفال. فنحن لم نستقبل آلاف الأطفال لنقول إنّ ذلك يشكل ضغطاً على نظامنا الصحي، مع العلم أنّ أنظمة مستشفياتنا قادرة على استيعابهم"، ويختم أحمد بالقول: "هؤلاء الأشخاص يريدون العودة، إنه أمرٌ غريبٌ. لقد جرى اتّخاذ القرار لأسباب سياسية، ولكنه أيضاً قرار غير إنساني ومأساوي للغاية".

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق