عربي
تُقدّر وزارة الصحة التونسية عدد الأطفال المصابين بالتوحد بنحو 200 ألف، وتضم شبكة المراكز الخاصة بأطفال التوحد 23 مركزاً ترعى نحو 750 مصاباً بدرجات متفاوتة من المرض، إضافة إلى برنامج إدماج الأطفال المصابين بالتوحد في المسار المدرسي العادي.
ولا يمنع ذلك شكوى أولياء الأطفال من عراقيل تعيق دخول أبنائهم إلى مؤسسات التعليم المبكر ثم الالتحاق بالمدارس، خصوصاً القاطنين في المحافظات الداخلية التي لا تضم مراكز لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ويضطر الأهالي إلى وضعهم في مراكز مختصة غير مراقبة، تكون في كثير من الأحيان سبباً في تدهور الحالة الصحية والنفسية للطفل، كما تفرض رسوماً مالية باهظة على الأهل.
لكن رحلة التوحد لا تنتهي عند سن الطفولة، فعند البلوغ تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً بسبب تدني الاهتمام بالمصابين الذي يتقدمون في العمر، وتتحوّل معاناة عائلاتهم من البحث عن التشخيص والرعاية المبكرة إلى صراع يومي مع الغياب شبه الكلي لمراكز متخصصة برعاية البالغين، ما يفتح الباب أمام العزلة والإقصاء.
تصطحب الخمسينية زينب البحري ابنها خالد المريض بالتوحد، والذي تجاوز الثلاثين، في جولة داخل أحد أحياء العاصمة تونس، محاولة أن تخفف عزلته منذ أن غادر مركز الرعاية الذي ارتاده لأكثر من 15 سنة، وتقول لـ"العربي الجديد": "ابني خالد مصاب بطيف التوحد منذ نشأته الأولى، وحصل على متابعة طبية ومساعدة على النطق من طريق اختصاصي ومركز للإدماج المدرسي، ثم أصبح رجلاً بجسد بالغ، وحالياً لا تتوفر له أي رعاية في مركز متخصص".
تتابع الأم: "لا تزال سلوكيات ابني حبيسة اضطراب التوحد، ولم أجد من يواكبه بعد سن الـ18، إذ ترفض غالبية المراكز المتخصصة في رعاية مصابي التوحد قبول أشخاص بالغين، ولا توفر الدولة ولا القطاع الخاص بدائل كافية وقريبة من المواطنين، ما يجبرهم على الانعزال عن الحياة العامة".
وتقول البحري: "بمجرد أن يبلغ المصابون بالتوحد سن الـ18 يجدون أنفسهم خارج أي إطار تأطيري، حيث لا تتوفر مراكز تأهيل مهني كافية لهم، ولا برامج لإدماجهم في سوق الشغل، ولا مؤسسات إيواء تتابع الحالات الصعبة ما يجبر الأسر على التحوّل إلى مراكز رعاية بديلة".
وتتحدث أسر ترعى مصابين بالتوحد عن أنها تتحمّل العبء الأكبر مع التقدم في العمر نتيجة تعرضهم لنوبات غضب، إلى جانب صعوبات التواصل، والاعتماد الكامل على الأسر، وتروي العائلات أن أبناءها يعيشون في عزلة اجتماعية، ويواجهون نظرة وصم داخل المجتمع، حيث يُحتجزون غالباً داخل المنازل، أو يجري توجيههم إلى مؤسسات غير ملائمة تضم مصابين بإعاقات مختلفة، وهناك يواجهون خطر الإهمال.
ويؤكد رئيس جمعية "فرح" لإدماج أطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة، أهم الجمعيات التونسية في رعاية مصابي التوحد، ناجي ساسي، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن "التوحد لا يختفي لدى البالغين، وقد تتفاقم أعراضه إذا لم يحصل على الرعاية الاجتماعية والطبية اللازمة". يتابع: "يمر جسم المصاب بالتوحد بكل التغيّرات الفيزيولوجية التي يمر بها الأسوياء، لكن تلك السلوكية والنفسية تختلف وتحتاج إلى تعامل خاص في إطار استكمال مسار الرعاية الذي يحظى به في سن مبكرة". ومتابعة المصاب في السنوات الأولى من عمره وفق طرق علمية حديثة تساعد في تطوير عمره العقلي ما يكسبه القدرة عند التقدم في السن على الاندماج في المجتمع بشكل أفضل".
وفي السياق يؤكد ساسي أن "الإطارات المتخصصة في رعاية مصابي التوحد تضطلع بدور كبير في تحسين قدراتهم التأهيلية ونسب اندماجهم في المجتمع، والدول التي نجحت في رفع نسب استقلالية مصابي التوحد اعتمدت نماذج متطورة في سن الطفولة وبعدها، ووفرت مراكز إقامة دائمة للبالغين وبرامج إدماج مهني محمية ومرافقة نفسية واجتماعية مستمرة إلى جانب برامج للتدريب على الاستقلالية".
ويعتبر أن "العمل الكثيف للارتقاء بالعمر العقلي للمصاب بطيف التوحد يستمر حتى بعد مرحلة الشباب والكهولة، والتوحد مسار حياة، وليس مرحلة مؤقتة. ورغم نقص المراكز المتخصصة في رعاية المصابين من كبار السن تُفيد علاجات كثيرة خاصة بالأطفال البالغين، من بينها العلاج السلوكي المعرفي والتطبيقي واللفظي. والعلاج السلوكي المعرفي تحديداً من الأكثر فعّالية، ويعتمد على التحدث مع المريض كي يتعرف على الروابط بين المشاعر والأفكار والسلوكيات، ما يساعده في تحديد الأفكار التي تثير السلوكيات السلبية. كما قد تساعد هذه الطريقة المصابين على إدارة القلق والتعامل بشكل أفضل في المواقف الاجتماعية.
وتؤكد السلطات التونسية في برامجها غالباً أهمية دعم التشخيص المبكر وتشجيع الإدماج المدرسي لمصابي طيف التوحد، لكن الواقع يكشف غياب استراتيجية واضحة للبالغين، ووجود نقص كبير في المراكز العمومية المتخصصة مع اعتماد شبه كلي على القطاع الخاص والجمعيات، والذي يجعل الرعاية محدودة وغير متكافئة ومكلفة.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة