عربي
تصعب المراهنة على معظم المشاركين في المؤسسات السياسية العربية، تشريعية وتنفيذية، في تحقيق النهضة، ما يتطلب المراهنة على المجاميع العلمية التي لا تتوافر إلا بين أساتذة الجامعات وخبراء مراكز الأبحاث. أما أسباب المراهنة على هذه المؤسسات، فمردّها أنها من تطرح الأسئلة حول التحديات الراهنة بمستوياتها المتداخلة. وعليها أن تتبنّى رؤية شاملة واضحة المعالم، قائمة على شراكات بين القطاعين العام والخاص، بما هي الجامعات ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا، بما يضمن دعماً مادياً مستداماً لعملية التطوير. أما ترك مثل هذه المهمة على عاتق هذه الجهة دون تلك، فيعني البقاء في حلقة التخلف المقفلة. إنّ مهمة هذه المؤسسات ليس تفريخ الخرّيجين وزيادة أعدادهم سنويّاً، بقدر ما هو تشكيل العقول وصناعة القادة والمبدعين، ووضع لبنة أساسية في بناء الوطن؛ كون الاستثمار في التعليم هو استثمار في بناء الإنسان، الذي هو أساس كل عملية تنمية وتقدم.
وبذلك، تَخرج الجامعة ومعهد التعليم العالي من مهمة طبع الشهادات وتوزيعها إلى مهمة بناء إنسان المستقبل. وشرط ذلك تحقيق التوازن بين الأصالة بالمعنى التراثي والحداثة بمعنى العلوم والكشوف العصرية. من هنا، تُبنى عليها نماذج تعليمية مرنة، مثل التعلم المدمج، وتقييم المهارات بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الدرجات العلمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التقييم، وتشجيع ريادة الأعمال الطلابية، وتوسيع قاعدة التعلم الذاتي والتفاعلي.
إنّ تطوير التعليم الجامعي وجعله مواكباً للعصر هو حجر الزاوية في صياغة المستقبل باعتباره قمة ورأس الهرم، ومن موقعه هذا يمكن أن يقود تطوير كل مراحل التعليم وإدارات الدولة جميعها. فالآن وبكل بساطة يمكن أن نصنّف أجهزة الأمن المرتبطة بالسلطات بأنها هي التي تتولى هذه المهمة، ما يقود إلى خلل عميق لا يمكن إصلاحه من داخله. ومن شأن دور نهضوي على هذا النحو أن يمكّن الأجيال من حيازة أدوات صنع المستقبل وتصوراته. إذ المؤكد أن التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً ولا خياراً، بل هو مطلب وجودي لمجتمع يسعى إلى اللحاق بركب التقدم العالمي، وهو الوسيلة الوحيدة والفاعلة التي نملكها لإعادة بناء الذات الوطنية والقومية، وبناء موقعنا وإيجاد مواطئ لأقدامنا في سباق لا يملك ترف الانتظار.
إنّ ما يتيحه لنا العِلم من فرص وأدوات وقدرات وإمكانات بحث، هو الجسر الذي يمكن لنا أن نعبُر من خلاله نحو المستقبل الذي نستحقه. فالتعليم الجامعي بات عبارة عن منظومة ديناميكية تفاعلية تتطلب دمجاً عميقاً للذكاء البشري بأدوات التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي الذي بات بوابة التنمية الحقيقية للمجتمعات، وجسر العبور للمستقبل. وفي مثل هذا الوضع، باتت الجامعات مُطالبة ببناء عقول قادرة على الإبداع والابتكار والمنافسة في عالم يمارس نظرية البقاء للأصلح علمياً. وقوام ذلك ما يقدمه لنا الذكاء الاصطناعي من تطوير لأساليب التدريس، وتعميق المحتوى التعليمي للمواد، وتحليل أداء الطلاب مع ما يتطلبه من دعم شخصي لكل منهم. وبناءً عليه، لم تعد الجامعة مكاناً للحصول على الشهادات الأكاديمية بقدر ما أصبحت مكاناً للابتكار والإبداع. إنّ الذكاء الاصطناعي يمنحنا فرصة تقديم تجربة تعليمية أكثر شمولاً وعدالة، ترصد نقاط القوة والضعف لدى كل طالب، وتقترح مسارات تعليمية متخصّصة، ما يتيح بيئة تعليمية أكثر فعالية.
إنّ مثل هذا التحول يعتمد على الاستثمار في تدريب أعضاء وكادرات هيئة التدريس على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي تصميم المقرّرات وتقييم الطلاب وامتلاك أدوات البنية التحتية الرقمية وتجهيزاتها.
(باحث وأكاديمي)
