سورية... وعود اقتصادية على مراحل
عربي
منذ 19 ساعة
مشاركة
منذ لحظة سقوط نظام الأسد، تصرّفت السلطة الجديدة وكأنها في سباق مع الزمن... أنجزت إعلانها الدستوري، وأعلنت قيام أول حكومة في العهد الجديد ترأسّها أحمد الشرع بنفسه. وفي تلك الفترة، أُعلِنَت اتفاقيات كثيرة وكبيرة الحجم، بعضها في الطاقة، وبعضها في النقل والموانئ، وكثير منها في قطاع العقارات والبنية التحتية، وتولّد بسرعة انطباعٌ واسعٌ بأن الاقتصاد سيحرّك عجلته في وقتٍ قصيرٍ جدّاً، وأن سورية قد دخلت بالفعل في طَوْر ما بعد الحرب، وبعد سريان موجة من التفاؤل امتدّت إلى فترة أكثر من اللزوم، بدأت مظاهر القنوط تبدو على الوجوه في الشارع، وترددت أصوات تُذكِّر بالوعود الكبيرة التي لم تبدأ بالفعل وتتساءل: أين نتائج كل ذلك؟ ولماذا لا يتناسب نمو الاقتصاد مع حجم الخطاب المطروح؟ لم يبدُ أن الحكومة تراجعت عن وعودها، واستمرت نبرتها المتفائلة، ولكنها انصرفت بشكل واسع إلى ملفّاتٍ داخليةٍ ملحّة، وأدركت أن الاستثمار لا يمكن أن يسبق السياسة في بلدٍ مثل سورية، وتوقيع الاتفاقيات الطموحة يجب ألا يسبق توفير البيئة الملائمة لهذا الاستثمار، كي يشعر بالاطمئنان والراحة. وهنا انتقلت إلى المهمّة الأشد صعوبة، إعادة ترتيب البيت الداخلي. فالشمال السوري كان كله مرهوناً وغير قابل للدخول في عجلة الاقتصاد الجديد، من دون تسويةٍ مناسبة. وفي تلك المنطقة، تتموضع ثروات ومشكلات، فهناك ملتقى العلاقات مع أميركا حيث كانت تملك قواعد عسكرية، بالإضافة إلى الحدود مع العراق وتركيا، والوجود الكردي الكثيف، بما يحمله من انعكاسات على العلاقات مع كل تلك الدول. ومع مرور الشهر الأول من العام الجاري، جرى تجاوز ذلك الملف الذي تطلّب أكثر من تفاهم وأكثر من اتفاق، وصولاً إلى حالةٍ من الاستقرار المعقول لكل الأطراف، ووصلت يد الدولة إلى كثير من موارد الشمال. كانت لحظة التهدئة إعلاناً عن إقلاع نشاط جديد وبدء موجة اقتصادية أخرى، بدت أكثر جدّية وأقل استعراضاً. ومجدّداً استقبل السوريون الموجة الثانية بحفاوة، لكنها لم تَخلُ من تشكيك، رغم أنها أعقبت تحسّناً في البيئتين، السياسية والأمنية، وإعلان السيطرة الكاملة لحكومة دمشق على المعابر كافة. تمكُّن الدولة السورية من بوّاباتها مع العراق شجع الأخير على التعاون العابر للحدود، وكأن الجغرافيا بين البلدين استعادت ذاكرتها القديمة بعد سباتٍ دام عقوداً طويلة، فتذكّر العراق أن سورية ليست دولة محصورة داخل حدودها، بل هي معبر ومسارٌ وعقدة مواصلات. انسحب الأمر نفسه في الجنوب على الحدود الأردنية التي شهدت، هي الأخرى، طمأنينة متزايدة. وبدأت الحرارة الاقتصادية بالارتفاع على جانبي الحدود، وقد شعر الطرفان بأن عمليات التبادل يمكن أن تحصل بعيداً عن أي ارتياب أمني، وتُوِّجَت هذه المرحلة بإعلان مشروع جبل قاسيون، وهو ليس مشروعاً عقارياً تقليدياً، لكنه يحمل دلالة عن الدولة التي تريد أن تنتقل من مرحلة التثبيت على الأرض إلى طور الظهور الإقليمي. كانت أحدث خطوة في هذا المشوار الاقتصادي الحديث تجديد زيارة الرئيس أحمد الشرع ثلاثة عواصم مؤثرة في الخليج، بما يمكن أن يكون لهذه الزيارة من مضمون اقتصادي. وقد تكون أبوظبي محطة مهمّة بعد إشكال التهجّم على سفارة الإمارات في دمشق، وإضافة عودة الشيخ عصام البويضاني إلى دمشق، في رسالة واضحة إلى أن اللبس في علاقات البلدين قد زال، وهو تمهيدٌ يعني أن طريق العاصمتين قد أصبح سالكاً من دون معوّقات، ما سيضخّ مزيداً من الارتياح في سوق الاستثمار السوري. اليقظة الاقتصادية الحالية مرشّحة للتوسّع، ما بقيت مناخات الأمن تترسّخ، ما سيجعل من الخطط واقعاً ملموساً. ومهما كانت نتيجة الحرب في الخليج، تبدو دمشق بعيدة عن أي ارتدادٍ ضارّ، وقد أبقت نفسها على مسافة كافية من الأطراف المتحاربة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية