عربي
تتواصل حملة الرئيس قيس سعيّد على الفساد و"االمفسدين" في تونس للسنة السادسة على التوالي من دون توقف، لكن التقارير تؤكّد أن الفساد لم يتراجع، بل زاد انتشاراً وتوسّعاً. إذ حصلت تونس في عام 2025 على المعدّل نفسه الذي سجّلته في 2024، وهي 39 نقطة من أصل مائة في مؤشر مدركات الفساد. فالسلطة وضعت كل ثقلها لمقاومة هذه الآفة التي خرّبت الاقتصاد العالمي، حيث أنزلت أقسى العقوبات بكل من ثبتت عليه، أو أثيرت حوله شبهة الاستيلاء على أموال الدولة والملك العام. وقد حكم أخيراً على سيدة مورّطة بـ60 عاماً سجناً. حتى المعارضون للنظام اعتُبروا فاسدين، ووُجهت إلى كثيرين منهم تهم عديدة، أقلها تبييض الأموال. مع ذلك كله، تستمر الأوضاع على حالها. لم تتراجع معدّلات الفساد، ولم ينقص عدد الفاسدين، بل زادوا. فترتيب تونس على الصعيد العالمي بلغ 91 من بين 182 دولة، في تقرير صدر في فبراير/ شباط الماضي، بعد أن كانت في المرتبة الـ70 في 2021، فأين يكمن الخلل؟
يزداد هذا السؤال إلحاحاً، لأن معظم خطب رئيس الدولة ولقاءاته برؤساء الحكومات المتعاقبة منذ انفراده بالسلطة تمحورت حول هذه المسألة الجوهرية. ورغم مرور خمس سنوات على هذه الحرب، لم يتغيّر المشهد، ولم تتحسّن الأوضاع. لا يعني هذا أن الفساد غير موجود، أو أنه لا يستحق التركيز عليه. ولكن من الضروري، عندما لا تؤدّي الجهود الرسمية إلى تقليص الظاهرة واستئصالها، مراجعة الوسائل المعتمدة، والبحث عن بدائل أنجع وأفضل.
عندما تقرّر سلطة ما التصدّي لهذه الظاهرة، عليها اعتماد المنهج المقارن لاكتساب من المعرفة والخبرة. فما يحصل في المجتمعات الأخرى يمكن أن يساعد على تمكين صاحب القرار من توسيع دائرة الرؤية، ويجنّبه الوقوع في الأخطاء نفسها هنا وهناك. وقد أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات المدنية يمكن أن تلعب دوراً متقدّماً في مقاومة الفساد بطرق متعدّدة. لكن ما حصل في السياق التونسي هو العكس، حيث شُكِّك في المؤسّسات الرقابية، واتُّهِمَت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بأنها شريكة في نشر الفساد وحمايته، وهو ما عمّق أزمة الثقة لدى المواطنين، وجعلهم يردّدون شعار "حاميها حراميها". وأصبحت الدوائر الرسمية تؤدّي هذا الدور، وتوجّه المعلومات والملفات إلى رئاسة الجمهورية التي تعزل المسؤولين المشكوك فيهم، وتحيل ملفاتهم إلى القضاء ليحقّق ويصدر الأحكام. وتكون النتيجة احتمال حصول أخطاء من شأنها المساس بحقوق بعض الناس. كذلك فُتح المجال لتسييس بعض القضايا وتكييفها خدمةً لأطراف على حساب أخرى. وكشفت عن أخطاء فادحة في بعض الملفّات، دفع ثمنها المتهمون قبل أن يقرّر القضاء تبرئة ساحتهم، ولكن بعد خراب مالطا!
السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: لماذا كل هذا الخوف والتشكيك في منظّمات المجتمع المدني؟ إذ القول إن هذه المنظمات ينخرها الفساد، وبالتالي لا يُعتمد عليها في عملية الإصلاح، مسألة فيها نظر، وهي أشبه بمن ادّعى أنه يجوز قتل الثلثين من أجل إصلاح الثلث. وهو ادّعاء فاسد أيّاً كان قائله. فلا يجوز التعميم في هذا السياق، لأن الإصلاح هو القاعدة، بينما الهدم استثناءٌ يقع اللجوء إليه عند الضرورة القصوى، ويحصل عندما تنعدم الحلول. ولنفترض جدلاً أن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي الطبيب الذي أودع في السجن، قبل التحقيق معه والتأكد من صحة التهم التي وجهت له، قد أساء التصرّف، فذلك لا يعني أن المؤسّسة فاسدة بالضرورة ويجب إغلاقها، فالأصل تعيين مسؤول جديد عليها، وإن اقتضى الأمر تغيير أسلوب عملها.
ما يُخشى حقاً أن تتحول المعركة ضد الفساد إلى أشبه بطواحين الماء، فتتعمّق حالة التردّد لدى المسؤولين في اتخاذ القرارات خوفاً من المحاسبة، فتضيق الحقوق وتتدهور الخدمات العامة، فالمعركة ضد الفساد مسألة حيوية وشرعية، لكنها يجب أن تخضع لاستراتيجية مجتمعية واضحة.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة