عربي
ينتمي الروائي الأسترالي من أصل لبناني ديفيد معلوف، الذي رحل الأربعاء الماضي، عن اثنين وتسعين عاماً، إلى عائلة مهاجرة تعود أصولها إلى زحلة في لبنان، وقد وصلت عائلة والده إلى مدينة بريسبن في أستراليا في أواخر القرن التاسع عشر. وإن كان لبنان لا يحضر بوصفه موضوعاً مستقلاً في أعماله، إلا أن التكوين الثقافي لمعلوف مع خلفيته العائلية المهاجرة يبدوان واضحين في رواياته الأساسية، التي تناولت موضوعات السكان الأصليين، فضلاً عن اعتماده شخصيات تعيش بين ثقافتين في عدد من أعماله.
بدأ معلوف شاعراً، فأصدر مجموعته الأولى "دراجة وقصائد أُخرى" عام 1970، وحضر في كتاباته النثرية لاحقاً أثرٌ شعريّ، يظهر أسلوبيّاً في اعتماده الجملة المكثفة لغوياً، وفي بناء المشهد الروائي عبر تفاصيل حسية. كما أنَّ سرده لا يركّز على الحدث بقدر ما ينشغل بالبناء الفني، ويمزج اللغة المحكية الأسترالية داخل بنية إنكليزية دقيقة. وإلى جانب الشعر والرواية، كتب معلوف القصة والمسرح والمقالة، ما جعله واحداً من أبرز الأسماء في الأدب الأسترالي الحديث، كما أن بعض رواياته تُقرأ في إطار أدب ما بعد الاستعمار.
وعلى الرغم من جذوره اللبنانية البعيدة، فإن ذاكرة المكان الأول والطفولة ارتبطت ببريسبن، المدينة الواقعة على الهامش الأسترالي قياساً بالمدن الكبرى، وقد أسهم معلوف في تثبيت حضور بريسبن أدبياً. ففي روايته الأولى "جونو" (1975)، يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ليرسم صورة الحياة في بريسبن من خلال علاقات صداقة بين شبّان يطمحون إلى السفر إلى أوروبا ودراسة الفن، حيث تحضر المدينة بوصفها مكاناً تستعد الشخصيات لمغادرته. كما تتكرر فترة الحرب العالمية الثانية في روايته "العالم الكبير" (1990)، التي تدور حول أسيري حرب أستراليين، وتمتد إلى ما بعد الحرب، لتأمل معنى النجاة منها. وقد فازت هذه الرواية بجائزة مايلز فرانكلين عام 1991، وكانت من الأعمال التي كرّست حضور معلوف خارج أستراليا. وشخصيات معلوف هي في الغالب شخصيات عادية تعيش داخل تاريخ أكبر منها، كما في "حلّق بعيداً يا بيتر"، التي تدور أحداثها في الحرب العالمية الأولى، حيث يقدّم الحرب من منظور أسترالي، في مفارقة بين البراءة الريفية في أستراليا، وصناعة الأسلحة في أوروبا، كما أن النص يبنى على مفارقة هجرة الطيور المنتظمة بوصفها حركة تحفظ الحياة، وحركة الجنود الأستراليين نحو الحرب.
شخصياته في الغالب عادية وتعيش داخل تاريخ أكبر منها
أما رواية "تذكّر بابل"، فهي من أكثر أعماله حضوراً نقدياً، وتدور في أستراليا الاستعمارية في منتصف القرن التاسع عشر. بطلها جيمي فيرلي، الفتى الأبيض الذي عاش سنوات طويلة مع السكان الأصليين، ثم عاد إلى مجتمع المستوطنين البيض. إذ تضع الرواية جماعة المستوطنين أمام اختبار أخلاقي مع ظهور فتى بريطاني عاش ستة عشر عاماً مع السكان الأصليين، وحين يظهر مجدداً، لا يعرفون كيف ينظرون إليه: هو أبيض، إلا أنّه لا يتكلم ولا يتصرف كما يتوقعون من رجل أبيض. وتُقرأ الرواية ضمن أدب ما بعد الاستعمار، إذ تفكك ثقافة المستعمِر، مع تهديد جيمي لخيال المستوطنين عن أنفسهم. وقد استلهم معلوف هذا العمل من قصة ناجٍ بريطاني من حادثة غرق سفينة تجارية، عاش سنوات طويلة مع السكان الأصليين في شمال كوينزلاند في القرن التاسع عشر، وقد وصلت هذه الرواية القائمة القصيرة لجائزة بوكر عام 1993.
في مجمل أعماله، يصوّر معلوف أستراليا بوصفها حصيلة تعددية ثقافية، ويقدّم المجتمع الأسترالي في سياق من التوتر بين السكان الأصليين والمستوطنين. وهو ينتمي عائلياً إلى موجة المهاجرين اللبنانيين الأوائل في أستراليا، الذين عانوا بيئة اجتماعية وقانونية عدائية، وواجهوا أشكالاً من التمييز العرقي والتشريعي. ويذكر معلوف في أحد حواراته أن جده اللبناني اعتُقل عام 1941 بوصفه "عدواً أجنبياً"، وأن والده أخفى عنه جانباً من تجربته، مع إدراكه المتأخر أن والده كان على الأرجح يتكلم العربية إلى جانب الإنكليزية، لكنه لم يسمعه قط يستخدمها أو يظهر فهمه لها. وفي روايته "حياة متخيّلة"، يستعيد معلوف السنوات الأخيرة للشاعر الروماني أوفيد في منفاه على أطراف الإمبراطورية، حيث يحضر موضوع المنفى عبر اللغة، والرواية تأمُّلٌ في ما يحدث للشاعر حين يغترب عن لغته.

أخبار ذات صلة.
3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق