عربي
تبدأ مشاهد أولى الحلقات السبع للمسلسل الكويتي "جناية حب" بالتقاط ناديا، وهي شخصية مركزية فيه، من رفّ مكتبتها البسيطة، رواية نجيب محفوظ "ميرامار". وفي هذا، أوحى كاتب السيناريو، بلال فضل، بأمريْن: المبنى الذي سينهض عليه العمل، أن تحكي كل شخصيةٍ عن نفسها، وتروي ما تريد، ليكتمل القصّ في مرويات ستٍّ من شخصيات القصة وتفاصيلها، وهذا ما صنعه محفوظ في روايته تلك (1967)، حيث تحدّث كلٌّ من أبطال الرواية الستة بلسانه. الأمر الثاني أن "ميرامار" نهضت، أساساً، على حكاية الشخصية المركزية فيها، زهرة، التي تحاول العثور على حياةٍ مغايرةٍ لما تعيشه. وناديا هنا ضاعت منها حياةٌ كانت تأملها، ثم انتهت قتيلة. ولمّا قام المسلسل على روايةٍ، وهي "السندباد الأعمى... أطلس البحر والحب" (منشورات تكوين، الكويت، 2021) لبثينة العيسى، فإنه جاء وفيّاً لها إلى درجة كبيرة، وقد انبنت على توزيع السرد فيها عن شخصيّاتها، مع تناوبٍ بينهم، إنما بلغة الراوي العليم بهم، وبما في حشاياهم.
ينصرف بعضُنا، بشأن عملٍ دراميٍّ، مستندٍ إلى نصٍ روائي، إلى تبيّن مواطن التقاطع والتقارب والتباعد بينهما، وإلى مفاضلاتٍ تؤثِر هذا على ذاك أو العكس. وهذه السطور لن تفاضل بين "جناية حب" و"السندباد الأعمى..."، ليس فقط لبديهيّة أن استحقاقات المسلسل التلفزيوني الفنية مغايرةٌ لشروط النصّ السردي، وإنما لأنه صحّ قولُ من قالوا إن تكامل ما صنعه المخرج سعيد الماروق مع ما كتبه بلال فضل بالتعاون مع بثينة العيسى أنجز واحداً من أهم أعمال دراما رمضان الماضي، لمّا توازى التشويق، في خيطٍ بوليسيٍّ، مع ما انشغل به العمل، وبشكلٍ مركزي، في تظهير بواطن الشخصيات وعوالمها وتوتّراتها وأمزجتها، وكذا مسارات كلٍّ منها وتحوّلاتها، ليتوازى هذا كله، إلى حدٍّ ما، مع تغيّراتٍ مجتمعيّةٍ، وتأثيراتٍ على أجيالٍ تدافعت واستجدّت في المجتمع الكويتي. سيّما وأن الغزو العراقي كان حدثاً مفصليّاً في المجرى الزمني للمسلسل، وأحدَث أثرَه البالغ الأهمية في سياقاتٍ فردية. ويلتقي هذا كله مع المضامين العامة في رواية بثينة العيسى، التي في الوسع الاسترسال عن تقاطعاتٍ أخرى لها مع المسلسل، ولكن الأدعى أن يُقال إن "السندباد الأعمى..." بدت معنيّةً بما يُمكن الادّعاء إنه معتّم عليه في الكويت، وتجنّبه المسلسل لأسبابٍ رقابيةٍ ربما، أو لكي لا ينصرف النظّارة إلى مشاغل أخرى، وهم يتابعون حكاية امرأةٍ أخطأت في زواجها، وأحبّت "عاشقاً صامتاً"، ثم قتلها زوجُها الذي ربطته صداقة طويلة مع ذلك المعشوق الذي كان قد عرّف الزوجين ببعضهما إبّان دراسة ثلاثتهم في الجامعة، تنتهي روابطهم الوثيقة بمتواليةٍ من محكّياتٍ تتوفّر على كثيرٍ مما هو شائق، اشتغل المخرج والسيناريست على إيقاعٍ جذّابٍ ومكثّف له، وإنْ لم تفلح بعض التفاصيل في إقناع المشاهد بها. وساهمت كفاءة الممثّلين في تحقيق المسلسل منزلةً عاليةً في الإمتاع، بشّار الشطّي وهيا عبد السلام وحسين المهدي وصمود المؤمن وغيرهم.
تصف ناديا، في الرواية، زوجها نوّاف بأنه "سندبادٌ بلا سفينةٍ ولا مرسى"، وهو الذي لم يعرف جيّداً زوجته التي حاولت أن تكتب روايةً "تشبه قصّة الخلق"، وشجّعها صديقُه عامر، الصحافي والشغوف بالغناء. لم يُخبرنا المسلسل بأن هذا شيعي. قال لناديا التي "كانت تشعر بالضآلة أمام نوّاف وأمام البحر"، على ما أخبرها ليلة جريمة قتلها (ثم رميْها في البحر) إنه أحبّها، وطلب من أهله خطبًتها، لكنهم رفضوا "أنتِ تعرفين اختلاف المذهب، خصوصا تلك الفترة". يحكي عن "اضطراره الأزلي إلى البرهنة على ولائه. لن يقول بأن الحكومة لا تقبل تعيينَه في المراكز الحسّاسة، وإن بعض افتتاحيات الصحف وكتّاب المقالات يصنّفونه وجماعته كخونة ومندسّين وطابور خامس. إنه مضطرٌّ إلى كراهية إيران لأنه شيعي". يحدُث هذا في الكويت التي تأتي الرواية على حلّ البرلمان فيها، وعلى عرائض باستعادته، وعلى برنامج أسبوعيٍّ في تلفزتها "لن يحكي قصة البلاد التي تخلع جلدها القديم وتستبدله بترسانة إسمنتية تجثم على القلب. لن ينبس بشيءٍ عن العرائض الشعبية، ولا أي شيءٍ مما سيحدث بعد أربعة شهور، حراك غير مسبوق ستتحوّل فيه الدواوين إلى برلمانات مصغّرة". كان عامر مثل ناديا "يختنق في الصمت"، وصوتُها "عميقٌ ومشروخٌ ببحّة محببة".
حضر في "السندباد الأعمى" صوتُ العسكري في الجيش الكويتي، البدون، الذي ينتسب إلى المقاومة إبّان الغزو. وحضرت إشاراتٌ إلى مظاهراتٍ طلابيةٍ، وإلى كتابٍ عن تاريخ البلاد ممنوع، وحضر ما ليس قليلاً مما هو موصولٌ بلحظة الكويت الراهنة، ومما غاب في "جناية حب".
