عربي
يجد القطاع الخاص في قطاع غزة نفسه أمام إحدى أشد أزماته الاقتصادية في ظل الدمار الواسع الذي خلفته حرب الإبادة، والتي لم تقتصر آثارها على البنية التحتية فحسب، بل امتدت لتطاول ركائز الاقتصاد والإنتاج بشكل مباشر، وهو ما أدى إلى توقف شبه كامل لعجلة الاقتصاد وانهيار سلاسل التوريد وتراجع القدرة التشغيلية لمختلف القطاعات. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد الحديث عن التعافي الاقتصادي ممكناً ضمن الأطر التقليدية أو عبر الحلول المؤقتة، بل بات يتطلب تدخلاً استراتيجياً شاملاً يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر صلابة وعدالة.
ويبرز القطاع الخاص عنصراً محورياً في أي عملية نهوض اقتصادي كونه المحرك الأساسي للإنتاج والتشغيل، ومع تصاعد معدلات البطالة والفقر وتراجع القدرة الشرائية للسكان، تتزايد المخاوف من انهيار كامل للمنظومة الاقتصادية.
نهج شامل
أكد المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص أن حجم الدمار في غزة غير مسبوق، إذ طاول الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد، ما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الاقتصادي.
ورأى المجلس في بيان أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب نهجاً وطنياً شاملاً قائماً على العدالة والمساءلة، وليس مجرد مساعدات مؤقتة. وأشار المجلس إلى أولويات أساسية للتعافي، أولها ضمان عودة المتضررين وتعويضهم بشكل عادل وشامل بما يشمل إعادة إعمار المنازل وتعويض المؤسسات وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية عبر آليات شفافة. كما شدد على ضرورة فرض المحاسبة لمنع الاحتكار واستغلال الأزمة، من خلال رقابة فعالة على الأسواق وحماية المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وشدد المجلس على أن معالجة أزمة الحسابات البنكية المجمدة تمثل أولوية ملحة لضمان تدفق السيولة وتحريك الاقتصاد، إلى جانب ضرورة ضبط تدخلات المؤسسات الدولية بما يحقق التوازن في السوق ويمنع تشوهات الأسعار. من جهته، حذر مدير مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد" (مؤسسة غير ربحية للتنمية) في غزة محمد سكيك من أن القطاع الخاص في غزة يواجه خطر انهيار وشيك في ظل التراجع الحاد والمستمر في تدفق السلع ومدخلات الإنتاج.
وقال سكيك لـ"العربي الجديد" إن حجم الدمار تجاوز 80% من منشآت القطاع الخاص نتيجة الحرب الأخيرة، في وقت وصلت فيه معدلات البطالة إلى أكثر من 80% والفقر إلى ما يزيد عن 90% من السكان. وأوضح أن هذا الواقع يعكس تآكلاً غير مسبوق في قدرة الشركات على الاستمرار ويهدد بفقدان ما تبقى من فرص العمل المنظمة، مشيراً إلى أن استمرار القيود على إدخال البضائع والمواد الخام وعدم تمكين القطاع الخاص من أداء دوره في الاستيراد والتشغيل يؤديان إلى تفكك تدريجي في المنظومة الإنتاجية. وشدد على أن تراجع القدرة الشرائية وانكماش السوق المحلية يسرعان من إغلاق المنشآت وتسريح العمالة، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ويجعل كلفة التعافي أكثر تعقيداً على المدى الطويل.
مرحلة هشّة
في حين رأى المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي أن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة بلغ مرحلة شديدة الهشاشة وانعكس بشكل مباشر على أداء القطاع الخاص ومؤسساته، التي كانت تشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد خلال سنوات الحصار السابقة. وقال الدريملي لـ"العربي الجديد" إن القطاع الخاص لعب دوراً محورياً في توفير فرص العمل خلال سنوات الحصار التي سبقت الحرب، خاصة في ظل محدودية التوظيف الحكومي، إلا أن الظروف الحالية أدت إلى تراجع حاد في قدرته التشغيلية، حيث ارتفعت معدلات البطالة من نحو 45% إلى أكثر من 80%.
وأوضح أن هذا التدهور أدى إلى انخفاض مستويات الدخل وتراجع القدرة الشرائية بشكل كبير، ما أثر سلباً على النشاط الاقتصادي بشكل عام. وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلاً عاجلاً لدعم القطاع الخاص من خلال فتح المعابر وتسهيل إدخال المواد الخام وتوفير التمويل اللازم لإعادة تشغيل المنشآت، بما يساهم في استعادة النشاط الاقتصادي تدريجياً.
