عربي
في الظاهر، تبدو الهدنة في لبنان وكأنها استراحة قصيرة من جولات متكررة من التصعيد مع إسرائيل. لكنها، في العمق، تحمل ملامح إعادة تشكيل جغرافيا اقتصادية–أمنية قد تمتد آثارها لسنوات. فمع استمرار الاعتداءات المتقطعة، تتقاطع التطورات الميدانية مع أفكار طُرحت سابقاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إنشاء منطقة اقتصادية بعمق يقارب ثمانية كيلومترات، لتتحول من مجرد طرح سياسي إلى إطار يُخشى أن يترسخ تدريجياً على الأرض، سواء عبر ترتيبات غير معلنة أو من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة. بهذا المعنى، لا تُنهي الهدنة الصراع بقدر ما تعيد صياغته.
نحن أمام انتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة الصراع اقتصادياً وجغرافياً، حيث تصبح الأرض أداة ضبط، والاقتصاد وسيلة تأثير. في المناطق الحدودية الجنوبية، لم تعد الأرض مجرد مساحة زراعية أو سكنية، بل باتت تُعاد صياغتها كـ"منطقة وظيفية" تخضع لمعادلات أمنية قبل أن تكون اقتصادية، وهو ما يغيّر طبيعة النشاط الاقتصادي، لا حجمه فقط. الاقتصاد التقليدي في الجنوب، القائم على الزراعة والتجارة المحلية والخدمات الصغيرة، يتعرض لضغوط مركبة: صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية أو فقدانها جزئياً، ارتفاع المخاطر الأمنية المرتبطة بأي نشاط إنتاجي، وتراجع الطلب نتيجة النزوح الجزئي أو الخوف من التصعيد.
تتقاطع التطورات الميدانية مع أفكار طُرحت سابقاً من ترامب حول إنشاء منطقة اقتصادية بعمق يقارب ثمانية كيلومترات، لتتحول من مجرد طرح سياسي إلى إطار يُخشى أن يترسخ تدريجياً على الأرض.
في المقابل، يظهر نمط اقتصادي بديل، محدود وهش، يعتمد على المساعدات الإنسانية والخدمات المؤقتة والأنشطة قصيرة الأمد. هنا، لا يعود الاقتصاد مجالاً للنمو، بل يتحول إلى آلية لإدارة الحد الأدنى من الحياة، حيث تُدار المخاطر بدل أن تُستثمر الفرص. وراء هذه التحولات، يتشكل واقع إنساني يمكن وصفه باقتصاد التعليق. آلاف العائلات تعيش بين حالتين: لا حرب شاملة تدفع إلى النزوح الكامل، ولا استقرار يسمح بإعادة بناء الحياة. هذه المنطقة الرمادية تُنتج شكلاً جديداً من الفقر، فقر الانتظار، الذي يتجلى في استنزاف تدريجي للمدخرات، وتراجع الاستثمار في المستقبل، وازدياد الاعتماد على التحويلات الخارجية، إلى جانب تصاعد مستويات القلق وعدم اليقين.
لم يعد المزارع يخطط لموسم كامل، بل لأيام، ولا يسعى التاجر إلى التوسع، بل إلى البقاء. وفي الأدبيات الاقتصادية، تُستخدم المناطق الاقتصادية الخاصة أداةً لتحفيز النمو عبر تقديم حوافز استثمارية وبيئة أعمال مرنة. غير أن هذا المفهوم، في السياق اللبناني الحالي، يكتسب دلالات مختلفة. فالحديث عن منطقة بعمق ثمانية كيلومترات على الحدود لا ينفصل عن الاعتبارات الأمنية، ما يفتح الباب أمام احتمال تحوّلها إلى حزام اقتصادي–أمني تُحدَّد فيه الأنشطة وفق أولويات أمنية لا تنموية، وقد تتراجع فيه القدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي المستقل، ضمن توازنات إقليمية أوسع.
بكلمات أخرى، نحن لا نتحدث عن منطقة اقتصادية بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة توزيع للوظائف الاقتصادية وفق منطق الصراع، حيث يُعاد تحديد ما يُنتج وأين، ومن قبل من.
وراء هذه التحولات، يتشكل واقع إنساني يمكن وصفه باقتصاد التعليق. آلاف العائلات تعيش بين حالتين: لا حرب شاملة تدفع إلى النزوح الكامل، ولا استقرار يسمح بإعادة بناء الحياة.
وتأتي هذه التحولات في لحظة ضعف غير مسبوقة للاقتصاد اللبناني، في ظل انهيار العملة الوطنية، وتعثر القطاع المصرفي، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. في سياق كهذا، قد تبدو أي مبادرة اقتصادية، حتى لو كانت مشروطة، فرصة لالتقاط الأنفاس. لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر واضحة، أبرزها تقليص القدرة على رسم السياسات الاقتصادية بشكل مستقل، وتحويل المناطق الحدودية إلى أدوات ضمن توازنات إقليمية، وتكريس تفاوت تنموي أعمق بين الأطراف والمركز.
وهنا، لا يعود السؤال اقتصادياً فحسب، بل سياديًا أيضاً من يحدد شكل الاقتصاد اللبناني في المرحلة المقبلة؟ ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن اختزاله في هدنة هشة أو تصعيد محدود، بل هو عملية إعادة تشكيل تدريجية للاقتصاد على أسس أمنية وجيوسياسية. ومنطقة الـ8 كيلومترات ليست مجرد خط جغرافي، بل قد تكون بداية لمرحلة يُعاد فيها رسم الاقتصاد من الأطراف. وفي انتظار استقرار قد يطول، يبقى الجنوب على إيقاع هدنة لا تشبه السلام، واقتصاد لا يشبه النمو، وحياة مؤجلة بين الخوف والأمل.
