من التمدّن إلى الترييف: التحوّل القسري بغزّة
عربي
منذ يوم
مشاركة
لم يكن الترييف في غزة خيارًا اجتماعيًا ولا مسارًا طبيعيًا لنموٍّ عضويٍّ يتبع منطق التحوّلات التاريخية، بل كان انكسارًا قسريًا في العمود الفقري للمدينة، وارتدادًا عن الحلم المدني إلى ضرورة البقاء. فالتمدّن، بوصفه تراكمًا للمعرفة، وتنظيمًا للفضاء، وتعاقدًا غير مكتوب بين الفرد والجماعة، قد تعرّض في غزة لعملية تفكيك ممنهجة، لا عبر الإهمال وحده، بل عبر العنف المباشر الذي أعاد تشكيل الإنسان والمكان معًا. غزة، التي كانت مدينة ساحلية ذات إيقاع حضري خاص، لم تُهزم فقط في بنيتها التحتية، بل في معناها. فالمدينة ليست إسفلتًا ومباني شاهقة، بل شبكة علاقات: بين العمل والوقت، بين الفرد والمؤسسة، بين الحلم والمسار. وحين تُدمَّر هذه الشبكة، لا يعود الإنسان مدنيًا، حتى لو بقي في قلب المدينة. هكذا بدأ التحوّل: لا من المدينة إلى الريف جغرافيًا، بل من المدنيّة إلى الريفية ذهنيًا وسلوكيًا وقيميًا. في الترييف القسري، يتراجع القانون لحساب القرابة، وتضعف المؤسسة أمام العائلة، ويحلّ الاقتصاد المعيشي محلّ الاقتصاد الإنتاجي؛ حيث يصبح الخبز أولوية أعلى من الفكرة، والماء أثمن من الوقت، والنجاة أهم من المستقبل في الترييف القسري، يتراجع القانون لحساب القرابة، وتضعف المؤسسة أمام العائلة، ويحلّ الاقتصاد المعيشي محلّ الاقتصاد الإنتاجي. يصبح الخبز أولوية أعلى من الفكرة، والماء أثمن من الوقت، والنجاة أهم من المستقبل. هذا ليس انحطاطًا أخلاقيًا، بل استجابة بيولوجية-اجتماعية لواقع محاصر، حيث يُجبر الإنسان على العودة إلى أبسط أشكال التنظيم الاجتماعي: الجماعة الصغيرة، والتضامن البدائي، والاعتماد المباشر على الأرض حتى لو كانت الأرض ركامًا. التمدّن يحتاج إلى أفق، وغزة حُرمت من الأفق. فالمدينة لا تعيش بلا امتداد، ولا بلا حركة، ولا بلا تبادل. ومع الحصار، انكمش الزمن نفسه: لا خطط طويلة الأمد، ولا مسارات مهنية واضحة، ولا تراكم خبرات مؤسسية. كل شيء مؤقت، حتى البيوت. وفي هذا المؤقت الدائم، تزدهر قيم الريف لا كفضيلة رومانسية، بل كآلية دفاع: الصبر بدل الطموح، والقبول بدل الاحتجاج، والحكمة الشعبية بدل المعرفة المتخصصة. التمدّن الذي كان يميز غزة تحوّل إلى ترييف قسري، لا بفعل اختيار السكان، بل بإكراه الحرب، التي تفرض على كل شيء الانهيار. فالتحوّل البنيوي هنا ليس إعادة بناء، بل قتل للهوية، وتدمير للذاكرة، وإعادة كتابة وجود المدينة بالقوة والقسوة، بحيث يصبح البقاء تحديًا، وتغدو الحياة مجرد فرضية على حافة الركام. كل شارع يصرخ باسم فقدان، وكل جدار يشهد على صمتٍ مؤلم، وكل حجرٍ محطم يحمل صدى الفقد. غزة ليست مجرد مكان؛ إنها كائن حيّ يُعذَّب، يُهدم تمدّنه، ويُجبر ناسه على إعادة اختراع حياتهم في كل لحظة، بين الانفجار والغبار. لكن الأخطر في هذا التحوّل ليس فقدان ملامح المدينة، بل تشويه وعي الإنسان بذاته. فالفرد المديني يرى نفسه فاعلًا في منظومة، بينما الفرد المُريَّف قسرًا يرى نفسه ناجيًا منفردًا داخل كارثة جماعية. هنا تتآكل فكرة "الحق" لمصلحة "النعمة"، وتُستبدل المطالبة بالمواطنة بالشكر على البقاء. وهذا التحوّل العميق في الوعي هو الانتصار الحقيقي للعنف البنيوي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال غزة في هذا المسار وحده. فبين الركام، تنشأ أشكال هجينة من التمدّن المقاوم: مبادرات معرفية بلا مؤسسات، وفنّ يولد من الفقد، ووعي نقدي يرفض التطبيع مع الانكسار. إنها مدينة تحاول أن تتذكّر نفسها، لا كما كانت، بل كما يجب أن تكون. فالترييف القسري، مهما طال، لا يمحو الذاكرة الحضرية، بل يضعها في حالة كمون، تنتظر لحظة الانفراج. في النهاية، غزة اليوم ليست ريفًا ولا مدينة؛ إنها جرح مفتوح في جسد الحداثة العربية. وما يحدث فيها ليس حالة استثنائية، بل نموذج مكثّف لما يحدث حين يُجرَّد الإنسان من حقه في التخطيط، وفي الحركة، وفي الحلم. من التمدّن إلى الترييف، لم تنتقل غزة بإرادتها، لكنها أيضًا لم تستسلم بالكامل. ففي كل محاولة لإعادة الإنسان إلى ما قبل المدينة، تولد مقاومة صامتة تقول: نحن نعرف ما تعنيه المدينة، حتى ونحن نعيش نقيضها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية