تنويع الشراكات.. ورقة المغرب لمواجهة التهديدات الأمنية
عربي
منذ يومين
مشاركة
حملت زيارة العمل الرسمية التي قام بها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني في المغرب، عبد اللطيف حموشي، إلى السويد يومي 20 و21 إبريل/نيسان الجاري، برفقة وفد أمني رفيع يضم ممثلين عن مختلف مصالح قطب الأمن الوطني والاستخبارات الداخلية، دلالات ورسائل سياسية واستراتيجية، في ظل سياق إقليمي ودولي يتسم بالتوتر والاضطراب. وبدا لافتاً من مخرجات زيارة عمل المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، أن المغرب يحرص على فتح آفاق جديدة في مجال التعاون الأمني على الصعيد الدولي وتعزيز علاقات الثقة مع الشركاء الدوليين، مستفيداً من المكانة التي بات يحتلها بكونه شريكا موثوقا في مجال مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود. وبينما توجت الزيارة بتوقيع مذكرة تفاهم مهمة بين الجانبين، تهدف إلى إرساء إطار قانوني وتنظيمي لتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز برامج التكوين والتأهيل الأمني، فضلاً عن تطوير آليات الاستجابة المشتركة لمختلف القضايا الأمنية، يبرز رهان المغرب على تعزيز علاقات الثقة مع الشركاء الدوليين من خلال الاعتماد على التعاون الدولي باعتباره ركيزة أساسية للاستراتيجية الدبلوماسية والأمنية للبلاد، والعمل على تنويع شراكاته الأمنية والتركيز على مكافحة التهديدات المشتركة. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، سعت الرباط إلى الانفتاح على العديد من البلدان في أميركا وأفريقيا وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط وروسيا، وإقامة شراكات استراتيجية مع العديد منها، كما كان الأمر في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حين تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الأمني مع إثيوبيا، وفي 21 مايو/أيار 2024 بتوقيع المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الثنائي وتبادل الخبرات في المجال الأمني، مع المدير العام للشرطة الاتحادية البرازيلية، أندريه أغوستو باسوس رودريغيز. في حين، يُنتظر أن يتم توقيع مذكرة تفاهم ثنائية مع جمهورية ليبيريا لتنظيم وتأطير التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، تسمح بتوسيع مجالات ومستويات الشراكة الأمنية وتنويعها، في شهر مايو/أيار المقبل، بالتزامن مع الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني. وفي سعيه لإقامة المزيد من الشراكات الأمنية، لم يقتصر انفتاح الأمن المغربي على شركاء أمنيين جدد، بل حرص أيضاً على تثبيت شراكاته الكلاسيكية وتعزيزها، إذ وقع في الرابع والعشرين من يونيو 2025 بالرباط اتفاق تعاون استراتيجي مع المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية، جسد مرحلة متقدمة من الشراكة الأمنية المتينة بين الرباط وباريس. وتكرر الأمر ذاته في السادس من مارس/آذار 2024 بتوقيع مذكرة تفاهم بين قيادة شرطة لندن بالمملكة المتحدة وقطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وفي 23 سبتمبر/أيلول 2024 وقع الأمن المغربي اتفاقاً جديداً في مجال دعم التكوين الشرطي والاستثمار في الموارد البشرية الشرطية مع القيادة العامة لشرطة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة. وفي السياق، رأى الباحث في الشؤون الأمنية والأستاذ المحاضر بالمعهد الملكي للشرطة، إحسان الحافظي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حجم الشراكات التي أبرمتها المؤسسة الأمنية المغربية مع أجهزة الأمن الدولية والاستخبارات الكبرى يؤكد أن النموذج المغربي في مجال مكافحة الجريمة العابرة للحدود أصبح محط اهتمام في محيط إقليمي ودولي متقلب. وبحسب الحافظي، فإن تنامي التهديدات الناشئة وتنوع المخاطر الأمنية من قبيل الإرهاب والجرائم السيبرانية والمخاطر اللاتناظرية، جعلت التعاون الأمني الدولي مقدَّماً على كل الاستراتيجيات الوطنية التي بانت محدوديتها في ظل تطور الجريمة العابرة للحدود، والتي تتطلب استراتيجيات عبر وطنية أيضاً. وأوضح أنه ضمن هذا السياق يمكن أن نقرأ التقارب الأمني بين المغرب ومملكة السويد، الذي يفتح المجال أمام تعاون أكبر في مجالات التحقيق الجنائي والتعاون الاستخباراتي، خاصة في مجال التطرف العنيف والإرهاب عموماً بوصفها أكثر التهديدات التي تواجه العمل الأمني السويدي. ورأى أن المغرب يملك اليوم تجربة نموذجية في هذه النوعية من المخاطر، تقوم على نموذج وطني قوامه الاشتغال على المعلومة الأمنية وتفعيل آلية استباقية ووقائية ترتكز على تفكيك الخلايا الإرهابية في طور الإعداد، معتبراً أن هذا التراكم أصبح يشد إليه دول أوروبا عموماً. من جهته، قال الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، الشرقاوي الروداني، إن انفتاح المغرب على شركاء أمنيين في مناطق متعددة من العالم يندرج ضمن هندسة استراتيجية أوسع تعيد تعريف موقع المملكة داخل منظومة الأمن الدولي، موضحاً أن المغرب لم يعد فاعلاً أمنياً محلياً أو إقليمياً فحسب، بل بات يتموضع بما هو "مزود للأمن" ضمن فضاءات مترابطة تمتد من الساحل إلى أوروبا، ومن المتوسط إلى العمق الأطلسي. ورأى الروداني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن مذكرة التفاهم مع السلطات الأمنية السويدية تحمل دلالات متعددة، فهي تعكس انتقال التعاون الأمني المغربي من منطق الشراكات التقليدية المرتبطة بالجوار الجغرافي إلى منطق "الشبكات الأمنية الموزعة"، حيث يصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق العمليات قائماً على تقاطعات التهديد وليس فقط على القرب الجغرافي. وقال موضحاً: "في هذا الصدد، نحن نتحدث عن طريق جديد في بلورة آليات جديدة للرفع من محددات القوة للمملكة فيما أسميه جيوسياسية الاستخبارات واستشعار الأخطار المحدقة بالدول، وهو ما يؤشر على نضج في الرؤية الاستباقية التي يتبناها المغرب في مقاربة المخاطر العابرة للحدود". من جهة أخرى، اعتبر الروداني أن هذه الخطوة تؤكد الاعتراف الدولي المتزايد بفعالية النموذج الأمني المغربي، القائم على الدمج بين العمل الاستخباراتي الدقيق والمقاربة الوقائية والتنسيق متعدد المستويات. فاختيار شريك أوروبي مثل السويد، المعروف بحساسيته العالية تجاه قضايا الحريات والضبط القانوني، يعكس ثقة متنامية في مهنية الأجهزة المغربية وقدرتها على العمل ضمن معايير دولية صارمة، كما يوضح الخبير المغربي. وأكد أن هذا الانفتاح يندرج ضمن تحول أعمق في طبيعة التهديدات، حيث لم تعد التنظيمات الإرهابية أو شبكات الجريمة المنظمة تعمل وفق بنى هرمية تقليدية، بل أصبحت تعتمد على نماذج "لامركزية مرنة" تستوجب بدورها استجابات أمنية قائمة على الترابط المعلوماتي والسرعة في اتخاذ القرار. وهنا يبرز دور المغرب عقدةً استخباراتية قادرة على ربط مسارات التهديد بين الجنوب والشمال. وبحسب الروداني، فإن هذا التعاون يعكس أيضاً بعداً جيو-استراتيجياً، حيث يسعى المغرب إلى توسيع عمقه الأمني خارج حدوده المباشرة، بما يتيح له التأثير في بيئات إنتاج التهديد، وليس فقط في مراحل عبوره أو تجليه، وهو ما يتقاطع مع عقيدة "الأمن الاستباقي الممتد" التي تركز على تحييد المخاطر قبل تشكلها الكامل. ولفت إلى أن هذه الدينامية تؤكد أن الأمن لم يعد يُدار بمنطق السيادة المنغلقة، بل ضمن "سيادة وظيفية تشاركية"، حيث تتقاطع مصالح الدول في مواجهة تهديدات مركبة، ما يجعل من الشراكات الأمنية أداة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية بقدر ما هي وسيلة لحماية الأمن الداخلي. وإجمالاً، اعتبر الخبير المغربي أن مذكرة التفاهم مع السويد ليست مجرد اتفاق ثنائي، بل هي حلقة ضمن سلسلة إعادة تموضع استراتيجي للمغرب بوصفه فاعلا محوريا في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، قادرا على تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة استخباراتية وجيوسياسية في عالم تحكمه شبكات التهديد بقدر ما تحكمه توازنات القوى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية