عربي
يضم "بيت الضيافة - فلورا" في بيروت عشرات العائلات النازحة من مناطق القصف الإسرائيلي. وتستمر المعاناة وسط الزحام والإمكانات القليلة.
يشمل "بيت الضيافة - فلورا" الذي يؤوي نازحين من الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان وتشرف عليه جمعية "فرح العطاء" في منطقة الكرنتينا بالعاصمة اللبنانية بيروت، 160 غرفة تتوزع داخل ثلاثة أقسام وتواجه بعضها، وتتسّع الواحدة منها لعائلة واحدة فقط، لكن تسكن عائلتان في بعضها لأنهم من العائلة نفسها، أي أشقاء. وهي مُجهّزة بفرش إسفنج ومخدات وحرامات وتتضمن معدات لاستخدام الكهرباء.
يقدم المركز أطعمة واحتياجات شخصية ومياها ومازوت وغيرها من خلال تبرعات بالدرجة الأولى، لكن لا يتوفر التيار الكهربائي في شكل دائم فيه، ويُشغّل المولد الكهربائي من الساعة السادسة مساءً إلى منتصف الليل، ويُطفأ طوال النهار، لذا تخطط الجمعية لتركيب ألواح للطاقة الشمسية من أجل تزويد كل الغرف بالكهرباء.
وخصصت في المركز غرف خاصة وضعت فيها أدوية الأطفال والأمراض المزمنة وغيرها من أجل تقديمها للنازحين عند الحاجة، خصوصاً أن بعضهم يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري والضغط والسرطان. ولأنهم في حاجة ملحة إلى متابعة طبية تُرسل وزارة الصحة طبيباً لمتابعة أحوالهم مرتين في الأسبوع. ومن أجل تقديم خدمات إضافية، جرى توسيع المركز لتوفير المقومات الحياتية للأطفال، ويجري العمل لتأمين صفوف لتعليمهم ومتابعة حالاتهم النفسية، علماً أن 350 طفلاً يوجدون في المركز.
وكان مركز "بيت الضيافة – فلورا" شيّد برعاية جمعية "فرح العطاء" التي تضم متطوعين وتهدف إلى لمّ شمل العائلات اللبنانية، في موقع "سوق السمك" بمنطقىة الكرنتينا عام 2024 لاحتضان نازحين من مناطق القصف في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع. وكان الموقع في السابق مسلخاً قديماً للحوم المواشي، ثم تحوّل إلى أرضٍ لرمي الركام الذي نتج من انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020، ثم جهّز عام 2024 بغرف ومراحيض لاستقبال نازحين.
جالت "العربي الجديد" في المركز (البيت كما يسميه متطوعو جميعة فرح العطاء) ويوجد فيه 240 عائلة نازحة تضم 960 شخصاً، علماً أنه استضاف نحو 900 شخص خلال الحرب الإسرائيلية عام 2024. تقول فريال فرحات، وهي تشاهد الأطفال يلعبون كرة القدم: "أذهب كل يوم إلى منزلي في منطقة حارة حريك بالضاحية الجنوبية كي أغسل الثياب لأن التيار الكهربائي لم ينقطع بعد بالكامل هناك. اتعمّد أن أجلس على الكنبة التي أحب أن أستريح يومياً عليها في العادة وأشرب قهوتي الصباحية، وأتجول في الشارع الذي يؤدي إلى منزلي، ثم أنهي جولتي وأعود إلى بيت الاستضافة وأجلس في غرفة صغيرة مع أفراد عائلتي وننتظر معاً أن تنتهي هذه الحرب كي نعود إلى منزلنا".
في الليلة الأولى للحرب في 2 مارس/ آذار الماضي لم تنتظر فريال ساعات الصباح لمغادرة منزلها بالضاحية الجنوبية لبيروت بعدما سمعت خبر إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، وسارعت إلى حمل ما وصلت إليه يداها من ثياب وأكياس صغيرة تضمنت اللوازم الضرورية لعائلتها المؤلفة من أربعة أفراد وفرش إسفنج، وأقفلت باب منزلها.
ولم تجد فريال في بالها أي مكان تستطيع الهرب إليه فقضت ليلة الرعب الأولى في السيارة ثم تلقت اتصالاً من "صديقة نزوحٍ" كانت تعرفت إليها في مركز للإيواء خلال حرب عام 2024، وطلبت منها المجيء إلى "بيت الاستضافة"، فأتت برفقة أفراد عائلتها. تضيف: "حين أريد أن أعدّ الطعام أخرج إلى المحلات القريبة. أشتري الخبز والمعلبات بأسعار مرتفعة جداً لأن التجار يتعمدون رفع الأسعار بسبب حاجة الناس الموجودين هنا. نتلقى المساعدات في هذه الحرب، لكن الأوضاع كانت أفضل في الحرب السابقة".
تشرح سينتيا مهدي، المسؤولة الإدارية في بيت الاستضافة - فلورا، التي تتابع الاحتياجات اليومية للنازحين، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن "المياه الساخنة تتوفر للنازحين، كما أن المراحيض مقسّمة بين الرجال والنساء. وفي الجهة الخلفية للمركز وُضعت حبال غسيل لتنشيف الثياب، حتى أن بعض العائلات أحضرت غسالاتها من المنازل قبل أن تغادر، لكن هناك صعوبة في تشغيلها يومياً لأنها تحتاج إلى تيار الكهربائي. المركز أشبه بمدرسة ضخمة قُسّمت فيها الغرف قرب بعضها، وفي الخلف عشرات الحنفيات كي تستطيع النساء غسل الأطباق والأدوات التي يستخدمنها في غرفهن لاعداد الطعام".
منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب فُتحت أبواب المركز أمام الجميع، وتوجه البعض فوراً إليه لحجز مكان لأنهم يعلمون منذ الحرب الماضية أن الأبواب مفتوحة أمام الجميع ولم تُغلق إذ بقيت 35 عائلة فيه حتى اليوم لأنها خسرت منازلها وكانت عاجزة عن دفع بدل للإيجار بسبب ارتفاع التكاليف.
بدورها، تقول أمنيات ضيف الله، وهي سودانية أتت مع طفليها قبل سبع سنوات إلى لبنان حيث أقامت في منطقة تحويطة الغدير بالضاحية الجنوبية لبيروت، وعمل زوجها في محل لبيع الخردوات في المنطقة نفسها، ونقلهم صاحب المحل بعد اشتعال الحرب إلى هذا المركز لـ"العربي الجديد": "ننتظر المساعدات التي تأتي يومياً. في الأيام الأولى التي تلت قصف الضاحية الجنوبية أقفلت كل المحلات التجارية وشُلّ العمل بالكامل فلم يستطع زوجي تأمين أي مبلغ مالي كي نعتاش منه خلال الحرب. وبعد أيام قرر العودة والتفتيش عن عمل في البناء بحسب الطلب".
وتتشابه احتياجات الجميع في المركز ورغبتهم في العودة إلى منازلهم وقراهم. وفي المركز تتنوّع الحالات الاجتماعية والجنسيات أيضاً، فالنزوح طاول الجميع، ولم يمّيز بين جنسية وأخرى. يضم المركز عائلة من السودان وثلاث من سورية، وباقي العائلات من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت ومن البقاع الغربي. ولعلّ احتياجات جميع النازحين تندرج تحت عنوان الأساسيات بالدرجة الأولى، أي مقومات الحياة لأي انسان طبيعي. كما يوجد في المركز 13 حالة من الاحتياجات الخاصة و8 حالات توحد، لذا جهّز القيمون عليه 3 مراحيض خاصة لهم كي يستطيعوا التحرك بسهولة.
