يندّد التونسيون بقانون إعدام الأسرى وتصمت الحكومة
عربي
منذ يومين
مشاركة
ليس من المصادفة أن الكنيست الصهيوني ضادق على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في الـ30 من الشهر الماضي (مارس/ آذار)، بالتوازي مع إحياء الذكرى الخمسين ليوم الأرض فلسطينياً وعربياً، بحضور رئيس الحكومة نتنياهو، ووزيره للأمن بن غفير الذي احتفل بالقانون بفتح زجاجة شمبانيا في البرلمان الصهيوني، ما جعل وسائل إعلام تطلق عليه اسم "قانون الشمبانيا"، ذلك أنّ يوم الأرض يمثّل جزءاً من هُويّة فلسطين وذاكرتها ورمز نضالها التاريخي وتضحياتها التي لا تمحوها السنون، ولا تسقط بالتقادم، بينما أرادت الحكومة والمؤسّسة التشريعية الصهيونيتان أن تجعلا من ذلك اليوم موعداً للألم والحزن الفلسطيني، ومنبعاً للسعادة والفرح الصهيوني. يتيح القانون للدولة العبرية فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الخاضعين لاختصاص المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلّة، ويخوّل لوزير الداخلية "الإسرائيلي" إصدار توجيهاته للحاكم العسكري في الضفة الغربية لتعديل الأمر العسكري رقم 1651 بشأن تعليمات الأمن، في اتجاه فرض عقوبة الإعدام دون سواها (مستثنياً حالات معيّنة يمكن فيها استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبّد)، على أيّ كان من سكّان الضفة الغربية الفلسطينيين يتسبب في وفاة شخص آخر، عندما يكون الفعل من أفعال "الإرهاب"، كما عرّفها قانون مكافحة الإرهاب الصهيوني لعام 2016. ولا يشترط القانون تنفيذ عقوبة الإعدام بناءً على طلب من النيابة العامة العسكرية الصهيونية، أو أن يكون هناك إجماع بين قضاة المحكمة، فالأغلبية كافية. كما يؤكّد القانون أنّه ليس للحاكم العسكري سلطة تخفيف العقوبة أو تبديلها أو منح العفو. ويُعدّ القرار الصادر بعقوبة الإعدام في الحالات التي شملها القانون نهائياً لا يقبل الاستئناف. وبما أنّ ما يعتبره الصهاينة إرهاباً وممارسات إرهابية تدخل تحت طائلة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ونظيره قانون مكافحة الإرهاب (أكثر من مائة صفحة)، يرى فيه الفلسطينيون مقاومةً شرعية بموجب القوانين والنصوص الدولية والشرائع السماوية والأرضية وفعلاً نضالياً مشروعاً بالاستناد إلى إرادة الشعب الفلسطيني وحقّه (وواجبه) في تحرير أرضه، فإنّ أكثر من 9500 أسير فلسطيني، حسب إحصاءات جمعية نادي الأسير الفلسطيني، سيكونون مشمولين بمقتضيات التشريع الصهيوني، وإن تطبيق هذا التشريع سيؤدّي إلى أنهار من الدم الفلسطيني والتخلّص من قيادات تاريخية بارزة من أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات، وكلّ مَن تبقّوا من الزعامات الوطنية الفلسطينية القادرة على لعب أدوار في المقاومة والتحرّر وإقامة الدولة الفلسطينية، وذلك بعد أن اغتالت الدولة العبرية قيادات بارزة، منهم خليل الوزير وأحمد ياسين وأبو علي مصطفى ويحيى السنوار وإسماعيل هنية وقادة آخرين. في تونس، التي تسكن فلسطين في وعي شعبها ولاوعيه، وتشكّل حسّاً مشتركاً تُتداول قضاياها وآلامها ومآسيها بموعد ومن دونه، نزل القانون الصهيوني على التونسيين صاعقاً، وربّما أكثر وقعاً من أثره في الأرض المحتلّة، حيث اعتاد الناس على مثل تلك القوانين الصهيونية الجائرة لكثرتها وطبيعتها العنصرية والفاشية الغالبة. تُرجم الموقف الشعبي التونسي عملياً من خلال مسيرات وتظاهرات شعبية شهدتها بعض المدن الكُبرى، منها العاصمة تونس وسوسة، تنديداً بالقانون الصهيوني والمطالبة بالحرية للأسرى وفق الشعارات المرفوعة، وأُردف هذا بمسيرة طلابية (2 إبريل/ نيسان الجاري) كان منطلقها جامعة الزيتونة، ونقطة وصولها شارع الحبيب بورقيبة والمسرح البلدي، وشعارها المركزي "يا أسير لبّيناك... طلبة تونس كلّهم معاك"، كما بُرمجت تظاهرات مماثلة ستأخذ شكل الندوات الفكرية والسياسية والمسيرات الجوالة للتعريف بقضية الأسرى الفلسطينيين والمساهمة في الحراك العالمي المناهض للقانون الصهيوني. اختار الموقف الرسمي التونسي الصمت تجاه قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وكان المجتمع المدني التونسي وفياً لإرثه التاريخي في الدفاع عن فلسطين وقضاياها ومناهضة الصهيونية وفضح طبيعتها العدوانية، من خلال موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي عبّر عنه فرعه الجهوي بجندوبة في بيان له. واعتبرت الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين في بيانها في الـ31 من الشهر الماضي (مارس/ آذار) أنّ "تمرير الكنيست الصهيوني قانون إعدام الأسرى هو تأكيد على الطبيعة النازية لهذا الكيان الذي يقوده ساديون باتوا يشكّلون خطراً على الإنسانية جمعاء". ونحت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المنحى نفسه، مدينةً التشريع الصهيوني، في بيانها الصادر في موفّى مارس. ولم يختلف الموقف لدى الأحزاب السياسية، فقد دانت جبهة الخلاص الوطني (تحالف إسلامي - لائكي معارض) "بأشدّ العبارات تشريع الاحتلال الصهيوني النازي لقانون إعدام الأسرى، وتعتبره دليلاً إضافياً على الطبيعة الإجرامية للاحتلال وعنصريته". وعبّر المجلس الوطني لحركة الشعب (حزب قومي عربي) المنعقد يوم 12 إبريل الجاري عن "إدانته لاستمرار العدو الصهيوني المجرم في ممارسة الإبادة والتقتيل العشوائي في قطاع غزّة الصامد، وتهجير السكّان واقتطاع الأراضي لإقامة المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلّة، مستغلّاً ما يحدث في إيران والخليج العربي للمضي قدماً في ممارسة جريمته التي وصلت حدّ سنّ قانون يشرّع إعدام الأسرى الفلسطينيين، في ظلّ صمت وتواطؤ إقليمي ودولي يصل حدّ المشاركة في الجريمة". وقال حزب العمال (حزب يساري) إنّ هذا القانون الجديد الذي يضاف إلى ترسانة القوانين الفاشية التي سنّها كيان الاحتلال منذ قيامه، يكرّس بشكل وقح نهج الإبادة والتطهير العرقي الذي استفحل بشكل خاص بعد 7 أكتوبر 2023 على يد غلاة الصهاينة بقيادة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش الذين عجزوا عن القضاء على المقاومة وعن ترهيب الشعب الفلسطيني ودفعه إلى مغادرة أرضه. ورسمياً، أصدر مكتب البرلمان التونسي (2 إبريل) بياناً ندّد فيه بالقانون الصهيوني ووصفه بالفاشية والعنصرية، واعتبره قانوناً جائراً و"جريمة حرب موصوفة. واختارت الرئاسة التونسية ووزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين في الخارج ملازمة الصمت تجاه هذا القانون الإجرامي والفريد من نوعه. ترغب الحكومة التونسية في تجنّب إحراج قوى نافذة دولياً في رأسها الولايات المتحدة، وعدم الخوض في قضايا حارقة لم يخالف الموقفان الرئاسي والحكومي التونسيان، بانتهاج خيار اللاموقف من قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الصهيوني، مواقف دول أوروبية لها أوزانها، مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا فقط، وهي دول دانت القانون ولوّح بعضها بإمكانية تعليق اتفاقيات الشراكة التي تربطها بـ"إسرائيل" على خلفية طابعه التمييزي، ورفضته كندا والاتحاد الأوروبي، بل جاء الموقفان مخالفين مواقف دول عربية وإسلامية ذات وزن إقليمي، مثل مصر والعراق وتركيا، ومجافيين للمزاج الشعبي واتجاهات الرأي العام التونسي الغالبة. وهذه هي المرّة الثالثة التي يتوارى فيها الموقف الرسمي التونسي عن الأنظار، في وقتٍ ينتظر فيه عامة التونسيين من رئيس الجمهورية أو من وزير الخارجية التعبير عن موقف رافض للتشريع الصهيوني وإدانته بعبارات واضحة وجلية وشجاعة، تتماشى مع الموقف الشعبي. فقد لوحظ عدم صدور موقف من العدوان الأميركي على فنزويلا واختطاف رئيسها، ثم تكرّر الشيء نفسه مع إعلان الولايات المتحدة و"إسرائيل" الحرب على إيران واغتيال مرشدها الأعلى علي خامنئي، وها هو الموقف نفسه يتكرّر مع سنّ الدولة الصهيونية قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. ويُستشفّ من هذا الاجتناب الرسمي التونسي الخوض في قضية الأسرى الفلسطينيين، التي تحتلّ صدارة اهتمامات الحكومات والمنظّمات غير الحكومية والدولية، بالتوازي مع اعتقال السلطات في تونس قيادات تونسية في أسطول الصمود العالمي لرفع الحصار عن قطاع غزّة، وتعطيل دور تونس في أسطول الصمود 2، والحدّ من الحراك الشعبي والمدني والسياسي المناصر للقضية الفلسطينية والمناهض للحرب على إيران ولبنان... يستشف من ذلك كلّه رغبة حكومية تونسية في تجنّب إحراج قوى نافذة دولياً في رأسها الولايات المتحدة، وعدم الخوض في قضايا حارقة تتعلّق بالصراع مع الصهيونية وتداعياته المتمثّلة في الحرب الأميركية -"الإسرائيلية" على إيران، وقد ظهر هذا الاتجاه في السياسة الخارجية التونسية بصورة واضحة منذ أن قرّر الرئيس ترامب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية