عربي
سجّلت بلدة محجة في ريف درعا جنوبي سورية ارتفاعاً جديداً في حالات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي "أ"، وسط مخاوف من اتساع رقعة العدوى، في ظل استمرار مشكلات البنية التحتية، ولا سيما في قطاعي المياه والصرف الصحي. وأفادت مديرية الصحة في درعا، عبر منصاتها الرسمية، بتسجيل 27 إصابة مؤكدة مخبرياً، تركزت في الحي الشرقي من البلدة، مع بؤرة رئيسية في مدرسة محجة الابتدائية الثالثة. وتوزعت الحالات بين 14 إصابة جرى رصدها في المدارس، و13 حالة راجعت مركز طب الأسرة، ما يشير إلى دور المؤسسات التعليمية في الكشف المبكر عن الإصابات.
وأطلقت فرق التقصي الوبائي استجابة عاجلة شملت جولات ميدانية وإجراء تحاليل لمصادر المياه، وسط ترجيحات بأن تكون العدوى ناجمة عن تلوث مياه الشرب أو الأغذية أو المرافق الصحية. ويقول سامر المقداد، وهو من أبناء محافظة درعا، لـ"العربي الجديد"، إن "انتشار التهاب الكبد في درعا ليس ظاهرة جديدة، بل يتكرر بشكل دوري"، مشيراً إلى أن المحافظة شهدت خلال الأشهر الماضية إصابات بين طلاب المدارس في مدينة الحراك، إضافة إلى تسجيل حالات في عدد من قرى ريف درعا الشرقي.
ويضيف المقداد أن ما يحدث في محجة اليوم قد لا يكون الأخير، مرجعاً ذلك إلى "تهالك البنية التحتية، ولا سيما تقارب شبكات الصرف الصحي مع مياه الشرب، ما يؤدي إلى تسرب الملوثات". كما أشار إلى غياب محطات معالجة المياه الآسنة، وتجمعها قرب المناطق السكنية، إضافة إلى تعطل أنظمة التعقيم نتيجة ضعف أعمال الصيانة.
من جهته، يوضح أحمد القصير، أحد سكان محجة، أن "القلق يتزايد بين الأهالي مع تسجيل إصابات بين الأطفال"، مضيفاً أن "مياه الشرب غالباً ما تكون غير موثوقة، ما يدفع كثيرين للاعتماد على مصادر بديلة". وتشير أم محمد، وهي والدة أحد الطلاب في محجة، إلى أن "الأعراض ظهرت بشكل مفاجئ لدى الأطفال، مثل التعب واصفرار العينين"، موضحة أن "المدرسة أبلغت الأهالي بسرعة، غير أن الخوف ما يزال قائماً من احتمال انتشار أوسع للمرض".
وبحسب بيانات سابقة لوزارة الصحة السورية، نشرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، فقد سُجّل أكثر من 2200 إصابة بالتهاب الكبد الوبائي في البلاد، استحوذت محافظة درعا على نحو 20% منها، ما يعكس هشاشة الواقع الصحي في المحافظة. وتؤكد مصادر طبية أن المرض ينتقل عادة عبر الطعام أو المياه الملوثة، فيما يمكن الحد من انتشاره من خلال تحسين شروط النظافة وتعقيم المياه.
في المقابل، أعلنت مديرية الصحة تنفيذ إجراءات احترازية، شملت عزل المصابين، وتعقيم المدارس، وتكثيف حملات التوعية، إضافة إلى تفعيل نظام التبليغ اليومي عن الحالات. ورغم ذلك، يرى سكان أن هذه الإجراءات تبقى مؤقتة، ما لم تُعالج الأسباب الجذرية، وفي مقدمتها تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، والتي تجعل من تكرار تفشي المرض أمراً مرجحاً في أي وقت.
وقال الدكتور نائل الزعبي، مدير دائرة الأمراض السارية في مديرية صحة درعا، لـ"العربي الجديد"، إن التهاب الكبد الوبائي يُعدّ مرضاً مستوطناً في محافظة درعا وفي سورية عموما، بسبب ضعف البنية التحتية لشبكة الصرف الصحي وشبكة مياه الشرب، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة ريّ المزروعات بمياه الصرف الصحي.
وأوضح أن انتشار المرض يتكرر في مناطق مختلفة من المحافظة، فقبل شهر تقريبا سُجلت فاشية في مدينة الحراك، وقبل عدة أشهر في مدينة بصرى وما حولها، وحتى داخل مدينة درعا، إذ شهد حي السبيل وحي الشمال الخط تفشيا لالتهاب الكبد قبل عدة سنوات. كما ظهر التفشي أيضا في الريف الغربي ببلدة الشجرة منذ سنوات، وكذلك في الريف الشمالي في بلدة القنية.
وفي ما يتعلق بالفاشية الأخيرة في بلدة محجة، أفاد الزعبي بأن مديرية صحة درعا تلقت بلاغات عن تزايد حالات التهاب الكبد الوبائي من قبل رئيس المركز الصحي، فتمت الاستجابة من قبل فريق الترصد الوبائي في المديرية. وأضاف أنه من خلال مراجعة سجلات المركز الصحي، جرى رصد 58 حالة التهاب كبد وبائي، تم تأكيد 50% منها مخبريا. وأضاف أن معظم الحالات كانت متركزة في الحي الشرقي من البلدة، وأن أغلبها سُجل بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 11 عاماً.
ويبلغ عدد سكان محجة نحو 27 ألف نسمة، وتُغذى البلدة بسبع آبار، خمس منها مفعلة، فيما بئران معطلتان. أما الحي الشرقي، الذي يُعد بؤرة تفشي المرض، فيُغذّى بواسطة بئرين، وقد جرى أخذ عينات منهما وإرسالها إلى المختبر المرجعي في دمشق للتأكد من سلامة مياه الشرب. كما لوحظ وجود تسرب في بعض الأنابيب المحيطة بإحدى الآبار.
وتابع مدير دائرة الأمراض السارية في مديرية صحة درعا: "كما لاحظنا وجود مخلفات أغنام وحظائر للماشية حول البئر رقم 9، إضافة إلى وجود مشاكل وانسدادات في شبكة الصرف الصحي بالبلدة. وكذلك مشكلة ري المزروعات بمياه الصرف الصحي من وادي العرام في الجهة الشمالية من البلدة". وأضاف أنه جرى توزيع مادة الكلور على المدارس، كما جرى الاتفاق على إصلاح تسربات أنابيب الشبكة، وترحيل مخلفات الأغنام والخيم العشوائية والأغنام من المنطقة.
ووفقاً للزعبي، فقد جرى عقد اجتماع مع رئيس البلدية لايجاد حلول لمشكلة ري المزروعات بمياه الصرف الصحي، وكذلك لتأمين مصدر طاقة مستمر لإمداد أجهزة ضخ الكلور في شبكة المياه، إذ تعمل هذه الأجهزة على الطاقة الكهربائية لمدة ساعة واحدة مقابل انقطاع يستمر نحو خمس ساعات يوميا.

أخبار ذات صلة.
بدء محاكمة بشار الأسد غيابياً في دمشق
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق