عربي
تدفع الحرب الدائرة في الخليج، وما تبعها من إغلاق متكرر لمضيق هرمز وتهديد للملاحة في مضيق باب المندب، نحو إعادة رسم خريطة التجارة والطاقة عالمياً، في تحول يضع مصر، لأول مرة منذ أكثر من قرن، أمام خطر فقدان دورها التاريخي باعتبارها مركزاً رئيسياً لحركة العبور بين الشرق والغرب.
ويصف خبراء اقتصاد ونقل دولي هذا المشهد بـ "حصار الجغرافيا"، إذ لم يعد إغلاق مضيق هرمز المتكرر مجرد تعطيل لشحنات الطاقة، بل تحول إلى أداة لإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية بعيداً عن المسارات التقليدية.
هذا الحصار يضع القاهرة تحت ضغوط مزدوجة؛ فبينما تعاني الملاحة البحرية من اضطرابات أمنية، تتحرك قوى دولية بقيادة واشنطن وتل أبيب لتنفيذ ممرات "برية – بحرية" تتجاوز العبور من القناة، وهو ما قد يعيد تعريف مكانة مصر في النظام الدولي من "قلب العالم" إلى منطقة معزولة جغرافياً.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع بالإنابة، سعيد عبد الخالق، ضرورة إسراع الدولة في وضع خطط تجعل من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة مركزية للتصنيع المحلي الموجه للتصدير، وتوفير الخدمات اللوجستية لسلاسل الإمداد، وتعديل التشريعات الحاكمة لها، لجعلها مناطق تجارية حرة، على غرار سنغافورة وجبل علي، لتتمكّن من مواجهة المنافسة الحادة للمشروعات المطروحة بديلاً لقناة السويس، وتكون قاطرة التنمية الصناعية والإنتاجية في مصر.
وقال عبد الخالق: "يجب أن تتحول المخططات إلى مشروعات على أرض الواقع، قبل أن تشرع إسرائيل في تنفيذ أي بدائل تمنحها فرصة تقديم الخدمات بأسعار تنافسية مع القناة."
من جانبه، أكد خبير النقل الدولي وعميد كلية النقل واللوجستيات الأسبق بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، محمد علي إبراهيم، أن مصر أصبحت تحت وطأة "حصار حرب المضايق"، في توصيف يعكس حجم الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن الصراع الأميركي الإسرائيلي ضد إيران. وأوضح أن غلق مضيق هرمز تجاوز كونه مواجهة عسكرية ليصبح "حرباً على الجغرافيا وسلاسل الإمداد".
وأضاف خبير النقل الدولي، خلال لقاء موسع ضم قيادات مسؤولة وخبراء قانونيين واقتصاديين وأكاديميين بالجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع بداية الأسبوع الجاري، أن مصر تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، مع إعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة عالمياً بفعل "حرب المضايق"، ما يهدد قناة السويس بشكل مباشر، ويضغط على العملة المحلية والاقتصاد الكلي، وسط تحذيرات من "حصار جغرافي" قد يعيد تعريف دور القاهرة في النظام الدولي.
وبحسب إبراهيم فإن "الحرب تعيد تموضع الجغرافيا"، مشيراً إلى أن مصر "تبتعد حالياً عن التوظيف السياسي لموقعها"، في وقت تتحرك فيه قوى إقليمية ودولية تشمل إسرائيل والولايات المتحدة والهند والإمارات والسعودية، لخلق مسارات بديلة تربط الشرق بالغرب بعيداً عن قناة السويس. وأضاف أن دول الخليج استوعبت مبكراً فكرة "عبقرية المكان" التي طرحها المفكر المصري الراحل جمال حمدان، وبدأت في إعادة توظيف موقعها الجغرافي، عبر تنفيذ مشروعات لوجيستية عملاقة؛ كما في منطقة "جبل علي" بدولة الإمارات الذي يدرّ بمفرده 200 مليار دولار سنوياً، بينما لا تزال مصر تعتمد على التاريخ، وتراجعت عن توظيف الجغرافيا، مما جعل المردود الاقتصادي للمنطقة الاقتصادية للقناة في حدود 11 مليار جنيه سنوياً فقط.
"ممر داوود" الإسرائيلي
أشار خبير النقل واللوجستيات إلى تعرض قناة السويس لضغوط متزايدة مع تحرّكات إسرائيل لتطوير ما يُعرف بـ"ممر داوود"، وهو مشروع بري-بحري، يستهدف ربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي المحتلة، مع تحويل تل أبيب إلى مركز عبور رئيسي في الشرق الأوسط.
وحسب إبراهيم، فإنّ إسرائيل تعمل بالتوازي على إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز من الإمارات، عبر ميناء الفجيرة إلى إيلات ثم عسقلان، وتطوير شبكة سكك حديدية لنقل الطاقة من الخليج إلى البحر المتوسط، والترويج لقناة موازية مستقبلية تنافس قناة السويس، لافتاً إلى أن هذه المشروعات تعتمد على علاقات إسرائيل المتنامية مع شركات الشحن العالمية، بما يسمح لها بالضغط على مسارات التجارة الدولية، وإعادة توجيهها لخدمة مصالحها.
وفي تطور لافت، كشف إبراهيم أن إسرائيل أنشأت قاعدة عسكرية في "صومالي لاند" (أرض الصومال)، ما يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة بمضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، والذي يتحكم في 15% من حركة الواردات القادمة لمصر، و12% من حركة التجارة الدولية التي تمر بين الشرق والغرب عبر قناة السويس.
الهيمنة على الطرق الدولية
أضاف إبراهيم أن السيطرة على المضايق تأتي في إطار خطط محكمة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدأت ولايته الثانية بالسيطرة على قناة بنما، والمطالبة بالعبور المجاني للسفن الأميركية في قناة السويس، مع العمل على مراقبة المرور بمضيق "ملقا" بشرق آسيا، ليضمن التحكّم المطلق في طرق التجارة الدولية.
وأكد أن التنسيق الأميركي الإسرائيلي يستهدف فرض سيطرة فعلية على مضيقي هرمز وباب المندب، ضمن استراتيجية أوسع للهيمنة على التجارة، وتقليص النفوذ الصيني، بخاصة في إطار مبادرة "الحزام والطريق".
وأشار إلى أن قناة السويس معرضة لخسارة 18% من إيراداتها نتيجة الحرب الدائرة في الخليج؛ حيث تمثل عوائد رسوم عبور ناقلات النفط 10%، وشحنات الغاز 8%. ويأتي ذلك مع توجه دول الخليج إلى بدائل برية وأنابيب نقل جديدة، تشمل مشروعاً سعودياً لربط الخليج بخط سكك حديدية وأنابيب لنقل الغاز والنفط بسورية والبحر المتوسط، ومشروعاً عراقياً لإحياء خط النفط العربي من البصرة إلى بانياس السورية، مما قد يقلل الاعتماد على القناة وخط أنابيب "سوميد" المصري.
وحذّر خبير النقل البحري من تعرّض مصر لمزيد من الصدمات الاقتصادية، مشيراً إلى وضع الاقتصاد أمام موجات تضخم عالية ونقص حاد في العملة الصعبة وخروج للأموال الساخنة. وأكد أن التداعيات الحالية بدأت بالفعل بخروج نحو 10 مليارات دولار من السوق المصرية، وارتفاع تاريخي في أسعار النفط بالبيع الآجل عند 146 دولاراً للبرميل، وتضاعف أسعار الغاز.
وأوضح أن هذه القفزات تضغط بشدة على الموازنة العامة، حيث إن كل زيادة قيمتها دولار واحد في سعر النفط تكلف الموازنة ما بين 4 إلى 4.5 مليارات جنيه دعماً إضافياً للمحروقات.
انهيار العولمة وتكلفة التأمين
أوضح خبير النقل الدولي أنه مع استمرار حالة الحرب في الخليج، فإن سلاسل الإمداد تنهار والعولمة تتراجع، إذ شهدت تكلفة التأمين البحري قفزة من 0.25% و0.5% من قيمة الشحنة قبل الحرب إلى 7.5% دفعة واحدة. كما قفزت تكلفة تأجير الناقلات من 70 ألف دولار إلى 500 ألف دولار يومياً. ووصف إبراهيم هذا التحول بأنه "النهاية العملية لعولمة الأسواق"، فقد أصبحت الأولوية لتأمين الإمدادات وتخزينها بأي تكلفة، وليس خفض الأسعار.
وذكر أنه في حالة انهيار الهدنة، ستعود القفزات في أسعار الطاقة بمعدلات أعلى، وقد تصل إلى 200 دولار للبرميل، مذكراً بتحذير صندوق النقد والبنك الدوليين، الأسبوع الماضي، في "اجتماعات الربيع" من أن تجاوز البرميل عتبة 120 دولاراً قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود واسع.
الآثار الاجتماعية و"اقتصاد الحرب"
أشار إبراهيم إلى الآثار الخطيرة للحرب على المجتمع المصري، ومنها احتمالات خفض أجور العمالة المصرية في الخليج بنسبة تصل إلى 30%، وارتفاع تكلفة المعيشة، وتراجع تحويلات المصريين بالخارج. كذلك، لفت إلى تضرر قطاع السياحة وتهديد خطط الحكومة لرفع إيراداته إلى 20 مليار دولار في العام المالي 2026/ 2027.
ورغم هذه الصورة القاتمة، أكد إبراهيم أن مصر لا تزال قادرة على تفادي الأسوأ عبر تبني "اقتصاد حرب" لتعبئة الموارد، وتحويل منطقة قناة السويس إلى مركز صناعي ولوجيستي عالمي حقيقي، وتعميق التصنيع المحلي. واختتم بالتأكيد على أن ما يحدث في الخليج هو "حرب هجينة" تستخدم أدوات عسكرية وسيبرانية واقتصادية، محذراً من سيناريو "قطع كابلات الإنترنت البحرية" في الخليج التي تخدم 30% من حركة البيانات العالمية. ويرى أن الولايات المتحدة تستفيد من استمرار الحرب لرفع أسعار الطاقة والدولار ودعم أسواقها المالية، في محاولة لإعادة ضبط النظام العالمي وسداد ديونها الضخمة.
تعزيز حكومي لدور قناة السويس
وكان رئيس هيئة قناة السويس، سامة ربيع، قد بحث يوم الجمعة الماضي مع الأمين العام لغرفة الملاحة الدولية "ICS"، توماس كزاكوس، سبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين في ضوء التحديات الجيوسياسية الراهنة، وتداعياتها السلبية على استدامة سلاسل الإمداد العالمية، بحضور الفريق أشرف عطوة نائب رئيس الهيئة، وذلك بمارينا قناة السويس لليخوت بالإسماعيلية.
وأكد ربيع "جاهزية القناة لتقديم خدماتها اللوجيستية والبحرية بكفاءة تامة، لا سيما مع ما شهدته من أعمال تطوير للمجرى الملاحي، وتحديث شامل للوحدات البحرية في الأسطول البحري". وأوضح أن "قناة السويس تأثرت سلباً من التحديات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، إذ تراجعت معدلات الملاحة في القناة عما كانت عليه خلال عام 2023".
وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61%، لتحقق 3.9 مليارات دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليارات دولار عام 2023. وتصاعدت التحذيرات من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة، على وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

أخبار ذات صلة.
بيلاروسيا تفرج عن الصحافي أندريه بوتشوبوت
العربي الجديد
منذ 10 دقائق
5 أطعمة ربيعية غنية بالألياف والفيتامينات
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة