عربي
تتزايد الضغوط على منظومة تصدير الطاقة الخليجية مع استمرار المخاطر في مضيق هرمز، إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن البدائل القائمة، رغم أهميتها، لا تزال عاجزة عن تعويض "كامل" التدفقات التي تمر عبر المضيق، ما سلط الضوء على البدائل التي يمكن لدول الخليج تبنيها في القريب العاجل لتدارك الأزمة.
وفق تقدير نشرته منصة ماركت ووتش، المتخصصة في التحليل المالي والطاقة، في 16 إبريل/ نيسان الجاري، كشفت الأزمة عن "فجوة هيكلية" بين الطاقة التصميمية لخطوط الأنابيب في دول الخليج وبين القدرة التشغيلية الفعلية المرتبطة بالموانئ والبنية التحتية اللوجستية، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد لإمدادات النفط والغاز ذا تأثير مباشر على الإمدادات العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو السعودية الأكثر قدرة "نسبياً" على الالتفاف على مضيق هرمز، بفضل خط الشرق–الغرب إلى ينبع، الذي يعمل حالياً عند طاقته القصوى البالغة نحو 7 ملايين برميل يومياً، مع تقديرات بأن نحو 5 ملايين برميل فقط يمكن توجيهها فعلياً للتصدير، بينما يذهب الباقي للاستهلاك المحلي أو القيود التشغيلية.
ومع ذلك تمثل قدرة ميناء ينبع على التحميل قيداً أساسياً، إذ تقترب من حدودها القصوى، ما يعني أن الخط، رغم حجمه، لا يعوض كامل صادرات المملكة التي تعتمد جزئياً على هرمز، كما أثبتت الهجمات الأخيرة هشاشته التشغيلية، بحسب بيانات نشرتها وكالة رويترز في 12 إبريل.
وفي الإمارات، يبرز خط حبشان–الفجيرة بوصفه أحد أكثر البدائل كفاءة من حيث تجاوز المضيق، بطاقة تصل إلى نحو 1.7 مليون برميل يومياً، مع بنية تخزين متطورة في الفجيرة تدعم مرونة التصدير، غير أن هذه السعة تظل محدودة مقارنة بإجمالي إنتاج أبوظبي، بحسب تقدير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 18 إبريل، ما يجعل الخط أداة لتخفيف المخاطر وليس بديلاً كاملاً، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الميناء مع إعادة توجيه الشحنات، بحسب التقدير ذاته.
أما قطر، فيصنفها تقدير وكالة الطاقة الدولية IEA بأنها "الحلقة الأضعف في هذا السياق"، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على المرور عبر مضيق هرمز لتصدير الغاز الطبيعي المسال، من دون وجود خطوط أنابيب بديلة لنقل الغاز إلى موانئ خارج الخليج.
وإزاء ذلك، فإن أي تعطيل مستمر من شأنه إحداث شلل في صادرات قطر، مع صعوبة تعويض ذلك عبر مسارات أخرى بسبب الطبيعة التقنية لنقل الغاز المسال واعتماده على أسطول ناقلات يمر عبر المضيق، وفق التقدير ذاته.
وفي السياق الأوسع، تُطرح مسارات بديلة مثل البحر الأحمر أو خطوط إقليمية عبر العراق وتركيا أو مشاريع جديدة تربط الخليج ببحر العرب، إلا أن خبيرين وصفاها، في إفادة لـ "العربي الجديد"، بأنها حلول جزئية أو طويلة الأجل، إذ تتطلب استثمارات ضخمة وتواجه مخاطر جيوسياسية مماثلة، كما أن بعضها لا يزال في مرحلة المقترحات، مثل مشاريع الأنابيب العابرة للمنطقة التي قد تكلف عشرات المليارات ولا توفر حلاً فورياً.
وعليه قد تتمكن دول الخليج من الحفاظ على ما بين 30% و50% من صادراتها عبر هذه البدائل في أفضل السيناريوهات، مع بقاء النسبة الأكبر رهينة المرور عبر مضيق هرمز، ما يعني أن استمرار الأزمة سيترجم إلى خسائر كبيرة في القدرة التصديرية، ليس فقط من حيث الكميات، بل أيضاً من حيث ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعقيد سلاسل الإمداد العالمية، بحسب ما أورد تقدير نشره صندوق النقد الدولي IMF في إبريل.
بدائل غير متكافئة
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في مكتب استشارات بلندن، علي متولي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن حقيقة مرور نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمكثفات والمنتجات البترولية عبر مضيق هرمز بما يمثل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، بالإضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وعلى رأسها صادرات قطر، تؤكد أنّ البدائل التصديرية المتاحة لدول الخليج، رغم وجودها، تبقى غير متكافئة بين دولة وأخرى ولا تغطي سوى جزء محدود من الصادرات، خاصة في ما يتعلق بالغاز المسال.
ويوضح متولي أن السعودية تتمتع بأكثر البدائل فعالية على نطاق واسع، ممثلاً في خط أنابيب "شرق - غرب" الذي يربط الحقول الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة 7 ملايين برميل يومياً، وقد شكل مسار التصدير الوحيد للخام السعودي خلال فترات الإغلاق السابقة، بمستويات تصدير فعلية تصل إلى عدة ملايين برميل يومياً بحسب ظروف التشغيل.
ومع ذلك، يشير متولي إلى أن هذا البديل لا يعوض النقص بشكل مطلق، نظراً إلى حاجة جزء من الخام إلى المصافي المحلية، واعتماد سلاسة التصدير على أمن الخط نفسه وموانئ البحر الأحمر، خاصة في ظل امتداد مخاطر هجمات الحرب لتشمل ممرات البحر الأحمر وباب المندب عبر حلفاء إيران من الحوثيين.
أما الإمارات، فيلفت متولي إلى أنها تعتمد على بديل مهم وإن كان أصغر حجماً، وهو خط "حبشان - الفجيرة" (خط أبوظبي للنفط) الذي ينقل الخام إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق، وتراوح طاقته التشغيلية بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، بينما تصدر الإمارات عادة نحو 1.1 مليون برميل عبر هذا المسار، ما يترك هامشاً إضافياً يقارب 700 ألف برميل يومياً في حال الطوارئ. لكنّ هذا البديل أيضاً ليس محصناً تماماً، بحسب متولي، إذ أظهرت الحرب أن الهجمات قد تمتد لتشمل المنشآت ومسارات الإمداد القريبة، ما يبقي صادرات الإمارات معرضة للمخاطر الأمنية المباشرة.
ويصف متولي قطر بأنها "الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة" حيث تعتمد صادراتها من الغاز الطبيعي المسال بشكل شبه كامل على المرور عبر مضيق هرمز، من دون وجود خط بديل لنقل الغاز المسال خارجه، وأيّ إغلاق متجدد للمضيق يرفع مخاطر حدوث صدمة غازية عالمية أسرع وأعمق من صدمة النفط، نظراً إلى استحالة تحويل شحنات الغاز المسال إلى مسارات بديلة على المدى القصير، ومحدودية قدرة السوق العالمية على إعادة توزيع الإمدادات مقارنة بالمرونة النسبية لسوق النفط الخام.
وفي ما يتعلق بالكويت والبحرين، فإن بدائلهما التصديرية محدودة جداً، بحسب متولي، موضحاً أن الكويت تصدر أساساً من موانئ داخل الخليج، ما يجعلها معتمدة كلياً على مضيق هرمز، كما ترتبط صادرات البحرين الأصغر حجماً بالمنظومة الخليجية نفسها، وعند إغلاق المضيق لا تقتصر الخسارة على حجم الصادرات فحسب، بل تمتد لتشمل ارتفاعاً هائلاً في تكاليف التأمين والشحن، حتى لو استمرت بعض الشحنات تحت ترتيبات أمنية خاصة.
وفي المقابل، يرى متولي أن وضع سلطنة عمان يتمتع بميزة نسبية أفضل، كونها تصدر من موانئ على بحر العرب خارج نطاق المضيق، لكنها تظل متأثرة بارتفاع تكاليف التأمين الإقليمي وتقلبات مزاج شركات الشحن العالمية.
وإزاء ذلك، تظل بدائل دول الخليج المتاحة لمضيق هرمز محدودةَ التأثير في الأجل القصير، بحسب تقدير متولي، لافتاً إلى أن مشاريع الأنابيب الإقليمية الأكبر، مثل ربط العراق بالعقبة أو مشاريع التصدير عبر عمان (الدقم)، تواجه عوائق سياسية وتمويلية وأمنية تمنع تحولها إلى حلول فورية للأزمة الراهنة، وبالتالي تتركز قدرة التجاوز الفعلية في حال تعطل هرمز بشكل واسع على السعودية والإمارات فقط، عبر خطي ينبع والفجيرة.
ومع ذلك، يبقى الحجم الفعلي للصادرات التي يمكن الحفاظ عليها خارج المضيق بسيطاً مقارنة بالتدفقات الهائلة التي كان يحملها المضيق تاريخياً، خاصة أنّ احتياجات المصافي والقيود اللوجستية وأمن الموانئ تقلل من الطاقات النظرية القصوى، بحسب ما خلص متولي.
عقبتان أمام البدائل
من جانبه، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ "العربي الجديد"، إلى أنّ بدائل مضيق هرمز تعاني عقبتين رئيسيتين: التكلفة الباهظة والوقت الطويل اللازم لتنفيذها، ما يجعلها غير قادرة على تأمين احتياجات الطاقة العالمية بشكل فوري في حال استمرار إغلاق المضيق، ومع ذلك بدأت دول الخليج البحث عن مسارات تجارية وطاقية بديلة لتقليل الاعتماد الكلي على هذا الممر الاستراتيجي، ما يعكس إدراكاً متزايداً لضرورة تنويع خطوط الإمداد.
وتواجه قطر تحديات خاصة على هذا الصعيد، بحسب المصري، لافتاً إلى اعتمادها الكبير على المضيق لتصدير الغاز المسال، مشيراً إلى أنّ علاقاتها الوثيقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران قد تمنحها قدرة نسبية على تمرير شحناتها رغم الظروف المعقدة، غير أن هذا المرور لا يخلو من كلفة تأمين مرتفعة ومخاطر لوجستية كبيرة، ما يضع عبئاً إضافياً على اقتصاديات الصادرات القطرية في ظل التوترات الإقليمية.
وأمام هذه المعطيات، يشهد العالم أزمة طاقة تدفع الدول إلى إعادة النظر في علاقات الإنتاج وخطوط الإمداد وأمن الملاحة الدولي، حيث شكلت أزمة مضيق هرمز نقطة تحول في هذا الاتجاه، وفق المصري، الذي يدعو إلى تكاتف دول الخليج لإنشاء بدائل استراتيجية لطرق نقل النفط والغاز، لضمان أمن الطاقة العالمي ومنع أي دولة، سواء كانت إيران أو الولايات المتحدة، من التحكم الأحادي في هذه الشرايين الحيوية.
ويرى المصري أن جوهر الصراع الحالي يتعلق بالسيطرة الأميركية على مصادر الطاقة في إيران والمنطقة، وعلى ممرات الملاحة العالمية، ما قد يؤدي إلى حجز كميات كبيرة من النفط والغاز لصالح أجندات سياسية معينة على حساب استقرار الأسواق العالمية، ولذا يعدّ التعاون الخليجي لإيجاد حلول بديلة أمراً ملحاً لحماية مصالح المنطقة وضمان تدفق آمن للطاقة إلى الأسواق الدولية، بعيداً عن الابتزاز الجيوسياسي.
ويخلص المصري إلى أن الأزمة الحالية تؤكد ضرورة أن تتكاتف دول الخليج، بما تملكه من استثمارات ضخمة وثقل ائتماني وتجاري وأمني، للبحث عن بدائل جذرية لأمن الطاقة والملاحة، مشدداً على أهمية حل النزاع بين إيران والولايات المتحدة عبر الأطر السلمية والدبلوماسية، قبل أن تصل التداعيات إلى مستويات مدمرة لا يمكن عكسها، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاستثماري لكل بلدان المنطقة.
