عربي
أدى توقف البتروكيماويات القطرية بسبب الحرب في المنطقة، إلى تداعيات واسعة النطاق على أسواق العالم، حيث باتت صناعات حيوية في مواجهة مأزق عدم توافر العديد من المنتجات المهمة، وفي مقدمتها الأوليفينات والبولي إيثيلين والميثانول والنافثا.
وتحتل قطر موقعاً مهماً في صناعة البتروكيماويات عربياً وعالمياً، بطاقة إنتاجية تصل إلى 18.4 مليون طن سنوياً، مع ريادة واضحة في الإيثيلين بإنتاج سنوي يبلغ ثلاثة ملايين طن، بينما تُعتبر صناعة اليوريا والبوليمرات والميثانول من أبرز حلقات السلسلة الصناعية المرتبطة مباشرة بالغاز الطبيعي، وفق بيانات رسمية.
وتشير بيانات رسمية إلى أن صادرات البتروكيماويات تتوزع على أقاليم اقتصادية متعددة، مع ثقل عربي وخليجي وآسيوي واضح، ووُجهت صادرات البتروكيماويات القطرية في العام الماضي إلى ثمانية تكتلات اقتصادية، تصدرها العرب بنسبة 42%، ثم دول الخليج 38%، ثم آسيا 17%.
وتوقُّف شركة قطر للطاقة عن إنتاج الغاز الطبيعي والمنتجات المرتبطة به، بعد الهجمات الجوية الإيرانية على منشآت في رأس لفان ومسيعيد مطلع مارس/ آذار الماضي، انعكس مباشرة على الصناعات المشتقة، حيث أعلنت شركة قافكو وقف إنتاج اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم وغيرها، وهذا النوع من التعطل لا يضرب حجم الإنتاج فقط، بل يضغط أيضاً على العقود الآجلة، وشحنات التصدير، وثقة المشترين، ويهدد سلاسل التوريد لدى أسواق تعتمد على الإمدادات القطرية المنتظمة.
حسب محللين، يعني التوقف ثلاثة مستويات من الأثر؛ أولاً: خسارة فورية في الإيرادات من الغاز والبتروكيماويات، ثانياً: ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة نقص المعروض، وثالثاً: ضغط محلي على الصناعات التي تعتمد على الغاز وعلى التشغيل المتواصل للمصانع. وتسجيل ارتفاعات في أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تتجاوز 50% خلال مارس/ آذار الماضي، مؤشر على حجم الارتجاج الذي أحدثه.
وأكد المحللون أن المعطى الأهم هنا ليس "ما الذي توقف" فقط، بل لماذا كان التوقف واسع الأثر؟ فصناعة البتروكيماويات القطرية مبنية على نموذج تكامل شديد؛ الغاز من رأس لفان شمال شرقي البلاد يغذي سلاسل كيميائية وصناعية في مسيعيد جنوبي البلاد وغيرها، ثم تخرج المنتجات إلى أسواق بعيدة عبر شبكة تصدير مستقرة، وعندما يتعطل الطرف الأول من السلسلة، تنتقل الصدمة مباشرة إلى اليوريا والبوليمرات والميثانول والمنتجات التحويلية، أي إلى الصناعات التي تُعتبر أكثر ربحية من تصدير الغاز الخام نفسه.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي والشؤون الدولية، محمد صالح الفتيح، لـ"العربي الجديد" أن التراجع الكبير في إنتاج الهيدروكربونات والبتروكيماويات، من قبل شركة قطر للطاقة، يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية للدولة. ويوضح أن هذا التراجع قد يؤدي، على المدى القصير والمتوسط، إلى فقدان عائدات سنوية تُقدّر بنحو 20 مليار دولار، فضلاً عن تعطّل خطط توسع مشاريع كبرى، مثل مشروع راس لفان للبتروكيماويات، الذي كان يستهدف تعزيز الطاقة الإنتاجية لقطاع البوليمرات.
وعلى الصعيد المحلي، ستتأثر الصناعات التحويلية المرتبطة بهذه المنتجات، مثل مصانع البلاستيك والأسمدة، نتيجة اعتمادها المباشر على المواد الخام التي توفرها "قطر للطاقة"، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج أو تراجع مستويات التشغيل.
أما على المستوى الدولي، فيتوقع أن تكون آسيا الأكثر تأثراً، تليها أوروبا، نظراً لاعتمادها الكبير على الصادرات القطرية التي تمثل ما بين 85% و90% من التدفقات العابرة لمضيق هرمز.
ويضيف الباحث أن الميزة التنافسية للإنتاج القطري، القائم على الإيثان منخفض التكلفة (حجر الزاوية في صناعة البلاستيك)، تجعل من أي تراجع فيه عاملاً مباشراً في إحداث صدمة سعرية، خاصة مع الاعتماد على بدائل أعلى تكلفة مثل النافثا (عامل أساسي في إنتاج وقود السيارات والطائرات) في آسيا، وقد يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض الإنتاج الصناعي في آسيا بنحو 12%، وارتفاع أسعار مشتقات البلاستيك عالمياً بنسبة تتراوح بين 20% و30%.
لا ترتبط النافثا في قطر بكونها مجرد منتج نفطي قابل للبيع، بل تمثل أيضاً جزءاً من شبكة تعاقدات طويلة الأجل مع مشترين آسيويين يعتمدون عليها لتكون لقيماً أساسياً في المجمعات البتروكيماوية. ففي سبتمبر/ أيلول 2023، وقّعت "قطر للطاقة" اتفاقية طويلة المدى مع "ماروبيني" اليابانية لتوريد ما يصل إلى 1.2 مليون طن سنوياً من النافثا لمدة عشر سنوات.
وفي يونيو/ حزيران 2024، أبرمت "قطر للطاقة" اتفاقية أخرى لمدة عشر سنوات لتوريد ما يصل إلى مليوني طن من النافثا إلى "هالديا بتروكيميكالز" الهندية، عبر ذراعها التجارية في سنغافورة. وتكمن أهمية هذين العقدين في أن أي اضطراب ممتد في العمليات القطرية لا يهدد إيرادات مبيعات آنية فقط، بل يضع أيضاً اختبارات صعبة أمام انتظام التنفيذ التعاقدي، ويفتح الباب أمام إعادة الجدولة، أو اللجوء إلى بدائل أعلى كلفة للمشترين الآسيويين.
وفي قطاع الميثانول (مادة كيميائية صناعية حيوية)، تتفاقم المخاوف مع توقف إنتاج شركة قطر للإضافات البترولية المحدودة "كافاك" (QAFAC)، ما يعني غياب أكثر من 600 ألف طن من مادة MTBE (مركب كيميائي عضوي سائل)، أي نحو 5% من الإنتاج العالمي. وتبرز الهند أحد أكثر المتضررين، إذ تستورد نحو 97% من احتياجاتها من الميثانول، وقد بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات طارئة لتأمين الإمدادات، كما شهدت الصين، أكبر منتج ومستهلك للميثانول، ارتفاعاً في الأسعار بنحو 50% خلال فترة قصيرة.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل التكرير والبناء والصناعات الدوائية، ويحذر الفتيح من أن نقص الميثانول قد يؤدي إلى توقف بعض الصناعات بالكامل، خاصة في الهند التي تُعد مركزاً عالمياً لإنتاج الأدوية، ما قد ينعكس على سلاسل الإمداد الدوائية، ويرفع تكاليف الرعاية الصحية عالمياً.
