عربي
تتيح أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز آفاقاً اقتصادية وفرصاً كبيرة أمام سورية التي تُطرح اليوم ممراً بديلاً للطاقة، ولا سيما من دول الخليج العربي والعراق.
وتضرب الولايات المتحدة، منذ أيام، حصاراً على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة في العالم، ما خلق أزمة عالمية دفعت بمخططين عسكريين من 30 دولة للاجتماع في العاصمة البريطانية لندن أمس الأربعاء واليوم الخميس، للبحث في سبل تضمن حرية الملاحة عبر هذا المضيق الذي يعد الطريق البحري أمام نقل النفط والغاز من دول الخليج وإيران إلى العالم.
وخلقت الأوضاع المضطربة في الخليج العربي منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/ شباط الفائت، فرصاً واعدة أمام سورية التي تُطرح اليوم طريقاً برياً بديلاً لتصدير النفط والغاز عبر موانئها على البحر المتوسط، والتي تبدو بدائل محتملة لمضيق هرمز الذي تغلقه إيران منذ بدء الحرب عليها.
وبدأ الجانب العراقي بالفعل، مطلع الشهر الجاري، تصدير النفط الأسود (زيت الوقود) بالحوضيات (الصهاريج) عبر سورية، وذلك من أجل دعم الاقتصاد الوطني وتوفير الإيرادات المالية لخزينة الدولة، وفق وزارة النفط العراقية. إلى ذلك، قالت الشركة السورية للبترول إن تدفق الفيول العراقي سيبلغ نحو 500 ألف طن متري شهرياً، يتم تصديره عبر ميناء بانياس على السواحل الشرقية للبحر المتوسط.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر عراقية لم تسمها، أن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية أبرمت عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة الممتدة من إبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران، على أن يتم نقل الشحنات براً عبر الأراضي السورية باستخدام الشاحنات.
وأعاد العراق أول من أمس فتح معبر "ربيعة" الحدودي مع سورية والذي ظل مغلقاً نحو 13 سنة، ما يجعل منه ممراً محتملاً للنفط إلى الموانئ السورية على المتوسط. ودفع الخلاف المحتدم حول مضيق هرمز العراق للعمل على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، والمتوقف منذ عام 2003، وذلك بالتعاون مع الجانب السوري في خطوة تحمل الكثير من الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية.
ويعاني هذا الخط، الذي يعتبر واحداً من أقدم خطوط التصدير النفطي في المنطقة، من تقادم وضرر نتيجة التخريب الذي تعرض له خلال السنوات الفائتة سواء في سورية أو العراق. وبدأ العمل بهذا الخط عام 1952، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً من حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وكان هذا الخط قد توقف عن العمل ما بين عامي 1982 و2000، قبل أن يُعاد تشغيله لمدة ثلاث سنوات ليتوقف منذ ذلك الحين عن العمل.
ويعد تأهيل هذا الخط وعودة الضخ من خلاله خياراً للجانب العراقي لتنويع نوافذه التصديرية عبر شواطئ المتوسط. ويوفر هذا الخط (في حال تشغيله) عوائد اقتصادية جَمّة لسورية ويضعها على خريطة الطاقة العالمية لكونها منفذاً للتصدير. وعودة الحديث عن هذا الخط ليست وليدة الأزمة الطارئة في خليج هرمز، فالجانبان العراقي والسوري شرعا منذ العام الفائت بخطوات إعادة تأهيله، إلا أنه من المتوقع تسريع هذه الخطوات في خضم الأزمة التي أحدثها الخلاف حول مضيق هرمز.
ويعتقد الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع "العربي الجديد"، أن إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة "خلق فرصاً كبيرة أمام الاقتصاد السوري"، مضيفاً: الفرصة الأولى تمثلت في إمكانية تحول سورية إلى ممر عبور بديل لبعض السلع والطاقة القادمة من العراق باتجاه البحر المتوسط.
وبرأيه: "هذه الفرصة منحت الموقع السوري قيمة أكبر في تجارة الترانزيت الإقليمية، وأعادت إبراز أهمية الجغرافيا السورية في لحظة بحث الأسواق عن طرق بديلة خارج الخليج". وتابع: الفرصة الثانية برزت في تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية داخل سورية، من الشحن البري إلى التخزين والتخليص الجمركي والخدمات المرافقة.
وأشار المغربل إلى أن الفرصة الثالثة "ظهرت في ارتفاع أهمية المرافئ السورية على البحر الأبيض المتوسط"، مضيفاً: "تعطل المسارات الأخرى يعزز قيمة الموانئ البديلة القادرة على استقبال الشحنات أو إعادة توجيهها.
وهذا يمنح سورية هامشاً أوسع لتفعيل دورها البحري إذا استطاعت تحسين الجاهزية والاستفادة من التحولات الجارية".
وبرأي المغربل أيضاً، فإن إغلاق مضيق هرمز خلق لسورية فرصة رابعة "تمثلت في إعادة طرح سورية ممرا محتملا في مشاريع الطاقة الإقليمية، سواء في نقل النفط أو المشتقات أو في أي ترتيبات مستقبلية تربط دول الخليج بالمتوسط"، مضيفاً: الأزمة رفعت من أهمية المسارات البرية والبدائل الاستراتيجية، ما يمنح سورية وزناً تفاوضياً أكبر في خرائط الطاقة والنقل.
وأوضح المغربل أن هناك فرصة خامسة "برزت في فتح مجال أوسع لتنشيط التجارة السورية مع دول الجوار، ليس فقط في مجال الوقود، بل أيضاً في تبادل السلع والبضائع والخدمات"، مضيفاً: هذا قد يمنح الأسواق السورية متنفساً إضافياً إذا جرى استثمار المعابر بوصفها نقاط ربط اقتصادي دائم لا مجرد حلول مؤقتة.
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي خالد تركاوي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الأزمة في منطقة الخليج التي خلقتها الحرب على إيران "دفعت العالم للبحث عن طرق بديلة لكل شيء منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية ولاحقاً الأزمة في مضيق باب المندب والآن مضيق هرمز". وتابع: أعتقد أن سورية يمكن أن توفر طرقاً بديلة للغاز والنفط بسبب موقعها الجغرافي وقربها من العراق والخليج العربي، ما يؤهلها لتكون بديلاً جيداً في حال استمرار الأزمة في مضيق هرمز.
