كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
لا شيء أكثر بساطة وسهولة على الفهم من أن يخرج الناس للمطالبة بتحسين شروط حياتهم، سيما حين تكون هذه الشروط في الحضيض، كما الحال في سورية (عدد المحتاجين إلى مساعدات انسانية 15.6 مليوناً، بحسب خطة الأمم المتحدة للاستجابة للحاجات الإنسانية في سورية الصادر في إبريل/ نيسان الجاري)، وحين تكون قرارات السلطة متجهة نحو مزيد من الإفقار والتضييق، في جو من انعدام الشفافية، ما يضيف التهميش السياسي إلى الضيق الاقتصادي. ورغم بداهة الحق في التعبير عن ضيق الحال وعن الحاجات الملحّة التي وصلت إلى لقمة العيش، ثابر كثيرون على الحفر تحت أقدام المحتجين، بإثارة الشكوك والشبهات حولهم ونسج التصورات "المخابراتية" عن دوافعهم وارتباطاتهم وتوقيتهم ... إلخ، بما شكل تعبئة تمهيدية للاعتداءات التي سوف يتعرض لها المعتصمون بالفعل. تتكرّر اليوم النغمة التي اعتاد عليها السوريون في زمن الأسد، نقصد الإقرار بأحقية المطالب مع الطعن بالمطالبين، ثم صرف النظر عن المطالب بالتركيز على أغراض المطالبين ونياتهم. اليوم، يقر المحيط "الإعلامي" غير الرسمي للسلطة الحالية، بأحقية المطالب، والحال أنه يصعب إنكار أحقيتها، ولكنه يبحث عن مداخل أخرى للطعن بالاحتجاج والمحتجين، فيشهر السلاح السلطوي الدائم، التشكيك بالمنظمين وبالمشاركين ... إلخ. لا جواب لدى أصحاب هذه النغمة عن السؤال: إذا كانت المطالب محقة فكيف يمكن تحقيقها؟ بالسكوت أم برفع الصوت؟ وإذا كنتم حريصين على الأهالي، فلماذا تتركون رفع هذه المطالب لغيركم ثم تنشغلون في التشكيك بهم، بدلاً من المبادرة إلى رفع المطالب المحقة؟ كشفت شهادات المشاركين والفيديوهات المنقولة من مكان الاعتصام في دمشق يوم الجمعة الماضي تعرّض المجموعة التي نفذت الاعتصام للإهانة والترهيب والاعتداءات الجسدية والاتهامات العشوائية، من أفراد يعيدون سيرة شبّيحة نظام الأسد، ويتهمون، للمفارقة، المعتصمين الرافعين لافتات بسيطة تحمل، بخط اليد، مطالب تعبر عن أوجاع كل السوريين المحتاجين، بأنهم شبّيحة. وتفيد شهادات بأن بعض المشاركين في الاعتصام تعرضوا للاعتداء اللفظي والجسدي وهم في طريق عودتهم إلى بيوتهم، بعد انفضاض الاعتصام. يعبر أنصار سلطة الشرع عن خشية من تكرار ما جرى مع الحكم الإسلامي في مصر في 2013، حين سقط الرئيس محمد مرسي بانقلاب عسكري عقب موجة احتجاج شعبي واسعة لا يتوافق المشهد الذي ظهرت فيه قوات حفظ النظام وهي تحمي المعتصمين من مهاجمين سلطويين، مع تأخر حضور قوات الأمن إلى مكان الاعتصام المعلن واحتلال هذه أنصار السلطة المكان، ولا مع التساهل تجاه الشبّيحة الجدد الذين نشروا التهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي، لإرهاب من سيشارك في الاعتصام، ولا مع غياب محاسبة المحرّضين والمعتدين والمفترين على المشاركين في الاعتصام. يقول المشهد بالأحرى إن السلطة تمارس دوراً مزدوجاً، الظهور "الرسمي" بأنها تحمي المعتصمين، إلى جانب الرعاية الفعلية للمعتدين أو للشبّيحة الجدد. في جلسات التحقيق في أقبية فروع الأمن، كثيراً ما يتخذ الضابط دور الرجل الحضاري، فيما يتخذ العنصر دور الموتور العدواني الذي يصفعك بهمجية حين تنكر تهمة يوجهها إليك الضابط، وسوف يصرخ الضابط بوجه العنصر ويوبخه، في حين أن العنصر يتلقى أوامره منه، ويتصرف حسب معرفته بما يرضي الضابط. يمكن للسلطة التنفيذية غير المقيدة أن تلعب هذه الثنائية أمام الاحتجاجات، ولا سيما حين تكون تحت مجهر الرقابة الدولية، كما هو حال السلطة في دمشق اليوم، فتوصل رسالة الترهيب عبر جماعات قمع "شعبية". هذا لا يلغي وجود أفراد يدافعون عن السلطة بعدائية وعنف ضد أي احتجاج، غير أن الكلام يتناول حصانة المعتدين من الحساب، وغياب آلية قضائية تحمي حقوق الناس، ما يسمح بتكرار الظاهرة. يصدر غالبية مهاجمي اعتصام ساحة يوسف العظمة في دمشق، ومهاجمي الأنشطة المدنية السابقة له، عما يمكن تسميتها "الأسد فوبيا"، شعور طاغ بأن كل نشاط مضاد لسلطة الشرع يفتح الباب لعودة سلطة الأسد. الحال أن سيطرة هذا الشعور تحيل أنصار السلطة الحالية في دمشق إلى قوة قمع غير رسمية ضد أبسط احتجاج أو حتى نقد، وهم بذلك يساهمون، من حيث لا يدرون، بعودة الأسد في إهاب جديد. الأنشطة المدنية التي تهدف إلى إيصال وزن الشارع إلى دائرة صنع القرار هي المثابرة الفعلية باتجاه تفكيك التسلطية يعبر أنصار سلطة الشرع عن خشية من تكرار ما جرى مع الحكم الإسلامي في مصر في 2013، حين سقط الرئيس محمد مرسي بانقلاب عسكري عقب موجة احتجاج شعبي واسعة. الشيء الذي لا يمكن أن يتكرّر في سورية اليوم، لأن الجيش المصري الذي بقي كما كان قبل الثورة في مصر لم يكن جيشاً للرئيس المنتخب حينها، بل جيشاً لوزير الدفاع، وهو ما جعل الأخير قادراً على إنذار مرسي ثم الانقلاب عليه مع انقضاء مهلة الإنذار. أما في سورية فقد تفكّكت مؤسستا الجيش والأمن بصورة تامة، والفصائل التي تشكل اليوم مؤسّسة الجيش، إضافة إلى الأجهزة الأمنية، تتبع بالكامل للسلطة الحالية. الأنشطة المدنية التي تهدف إلى إيصال وزن الشارع إلى دائرة صنع القرار هي المثابرة الفعلية باتجاه تفكيك التسلطية السياسية، والضمان الأهم بأن لا يكرّر التاريخ السوري سيرة نظام الأسد الذي لم يترسخ ويطغَ إلا بفعل تراجع المجتمع أمام تقدّم السلطة وهيمنتها التدريجية على كل مفاصل الحياة، وقد ساهم أنصار سلطة الأسد حينها في تحقق هذا المسار التسلطي، الشيء الذي يكرّره أنصار السلطة اليوم، وهم يشتمون أشباههم السابقين. الشخص الذي كان يتنمر على المعتصمين ويسخر منهم مكرراً القسم بأن "أبو حيدر" لن يعود، في إشارة إلى شبّيحة الأسد، لم يكن يدرك أنه يجسّد، في سلوكه نفسه، "أبو حيدر" الجديد، وهو ما ينبغي أن يجعل منه عدواً مباشراً لكل من ساند ثورة 2011 للتحرّر من سيطرة نظام الأسد. سكوت الشارع السوري وتراجعه أمام السلطة الحالية يعني إعطاء السلطة فرصة تعزيز أدوات سيطرتها على المجتمع، ويعني صناعة طلاب أبد جديدين، ودخول سورية مرّة أخرى في دائرة "أبد" جديد، سوف يكلف كسره، المجتمع والبلاد السورية، كما كلف الخلاص من الأبد الأسدي، وربما أكثر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية