نضجٌ أم خسارة؟
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
أُفاجَأ أحياناً بأنّني لم أعد أرتبك كما كنت، ولا أندفع فجأةً إلى حافَة الدهشة حين تقع الصدمة، كأنّ شيئاً في داخلي قرّر أن يتقاعد من مهمّته القديمة، ويترك الوقائع تمرّ من خلاله في هدوء مريب. لا شهقةَ تفضح ارتباكي، ولا دمعةَ تعلن انكساري، ولا محاولةَ أيضاً لتجميل ما يحدث أو تفسيره... يحدث الأمر، وأمضي. هذا التحوّل لا يأتي دفعةً واحدةً، ولا يطرق الباب كما تفعل الكوارث الواضحة، بل يتسلّل ببطء، ويستقرّ في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. تتراجع ردّات الفعل أوّلاً، ثم تتآكل الحماسة، ثم يبرد ذلك الحيّز الداخلي الذي كان يمتلئ بالأسئلة والقلق والتوقّعات. وأجدني بعد ذلك أمام نسخة أكثر هدوءاً من نفسي، وأقلّ قابليةً للانكشاف، وأشدّ قدرةً على إخفاء ما لا يُقال. أفكّر أحياناً في هذا التبلّد، وأتساءل إن كان نُضجاً أو نوعاً من الخسارة. لأنّ القدرة على التأثّر كانت، في وقت سابق، دليل حياة لا لبس فيه، وكانت الانفعالات، على قسوتها، علامةً على أنّ شيئاً ما في الداخل ما زال حيّاً، يتحرّك، ويقاوم، ويرفض أن يمرّ كلّ شيء مروراً عابراً. أمّا الآن، فالأشياء تمرّ، وأنا أسمح لها بالمرور، كأنّني اتّفقت معها على هدنة غير معلَنة. ولا يعني ذلك أنّ الحزن غادرني، أو أنّ الصدمات فقدت أثرها، بل إنّهما غيّرا طريقتهما في الظهور. لم يعد الحزن يرفع صوته، ولم تعد الصدمة تحتاج إلى مشهد واضح لتثبت وجودها. صارا أكثر خفاءً، وأشدّ عمقاً، وأقلّ رغبةً في العرض. كأنّهما تعلّما أن يسكنا في الداخل، وأن يكتفيا بالبقاء، من دون أن يلفتا الانتباه. وحين ينظر الآخرون إليّ، قد يرون امرأةً متماسكةً، أو متصالحةً، أو حتى قويةً، بينما أعرف في داخلي أنّ ما يحدث أقرب إلى إعادة ترتيب الألم، لا إلى تجاوزه. أعرف أنّني لم أعد أُظهر ما أشعر به، لا لأنّني لا أشعر، بل لأنّ التعب من الشرح صار أثقل من الاحتمال. التعب من إعادة الحكاية، ومن محاولة إقناع الآخرين بأنّ ما يبدو عاديّاً قد يكون، في داخلي، عاصفاً إلى حدّ لا يُحتمل. هذا الصمت الذي يبدو فضيلة في أعين بعضهم، يحمل وجهاً آخر لا يُقال كثيراً. فهو يحمي، نعم، ويجنّب صاحبه أسئلة مرهقة، ويمنحه مساحة من السيطرة، لكنّه في الوقت نفسه يعزله عن المشاركة، ويجعله أكثر وحدةً، وأكثر ميلاً إلى الانسحاب من علاقات تتطلّب حضوراً عاطفياً صريحاً. لأنّ من اعتاد أن يُخفي ألمه، سيجد صعوبةً في أن يطلب العزاء، أو أن يعترف بحاجته إلى أحد. وأفكّر في أنّ هذه الحالة ليست فردية تماماً، بل هي جزء من طريقة معاصرة في التكيّف، إذ يتعلّم كثيرون أن يخفّفوا من انفعالاتهم، وأن يقدّموا نسخةً قابلةً للعرض من أنفسهم، نسخة لا تُقلق الآخرين ولا تُربكهم. كأنّ التعبير الصادق عن الألم صار عبئاً اجتماعياً، وكأنّ الهدوء، مهما كان ثمنه داخلياً، هو الخيار الأكثر قبولاً. ومع ذلك، لا أستطيع أن أتعامل مع هذا التبلّد باعتباره نهاية القصة. لأنه، في مكان ما، لا يزال هناك أثر لذلك الصوت القديم، صوت الانفعال الأوّل، الذي كان يرفض الصمت، ويصرّ على أن يُعبّر، حتى لو كان التعبير مرتبكاً أو مبالغاً فيه. ذلك الصوت لم يختفِ تماماً، بل تراجع، وانتظر، وربّما يبحث عن فرصة ليعود بطريقة مختلفة، أقلّ اندفاعاً، وأكثر وعياً. لعلّ المسألة لا تتعلّق باستعادة ما كان، ولا بالبقاء في هذه الحالة كما هي، بل بالعثور على توازن جديد، يسمح للألم أن يُرى من دون أن يبتلع صاحبه، ويسمح للصمت أن يكون اختياراً لا ملاذاً وحيداً. لأنّ الصمت، حين يتحوّل إلى عادة، قد يخفي أكثر ممّا نحتمل، وقد يجعلنا نبدو بخير، بينما نحن فقط نتقن إخفاء ما ليس بخير. وهكذا أمضي، بين صمتٍ أُتقنه، وكلماتٍ أؤجّلها، وأحاسيس أعرف أنّها لم تمت، بل غيّرت شكلها، وانتظرتني أن أتعلّم طريقةً أخرى للإنصات إليها، وطريقةً أخرى للحديث عنها، من دون أن أخون حقّي في أن أشعر، أو حقي في أن أبدو، أحياناً، أقلّ تماسكاً ممّا أبدو.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية