عربي
ضمن استراتيجيته الساعية إلى ترسيخ الهيمنة وتوسيع النفوذ، يهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال حربه على إيران إلى صيد ثلاثة عصافير بحجر استراتيجي واحد. أوّلاً، يسعى لخنق الشريان الاقتصادي للصين عبر تجفيف منابع النفط القادمة من المنطقة الخليج وإيران وإحكام الطوق على مضيق هرمز الحيوي في محاولة لعزل خصمه الأكبر عن إمدادات الطاقة وكسر شوكته التنافسية على الساحة الدولية. ثانياً، يبتغي إرضاء اللوبي الصهيوني في واشنطن، الذي يمارس ضغوطاً هائلة لمحو إيران من المعادلة الإقليمية، تمهيداً لتسليم المنطقة طوعاً لإسرائيل لتعيث فيها فساداً وتحقِّق حلمها التوسُّعي المعروف "إسرائيل الكبرى". أمّا ثالثاً وأخطرها، فيخطِّط لتوريط دول الخليج في مستنقع حرب مباشرة مع إيران بعد الضربات التي تلقّتها من طهران، وذلك ليحلّ الخليج محلّ القوات الأميركية، ويُفتح صنبور الإنفاق العسكري الخليجي الهائل على شراء السلاح الأميركي، لتقاتل دول الخليج نيابة عن واشنطن وتل أبيب. وهكذا، تمتصّ أميركا ثروات الخليج لتعوِّض خسائرها، وتُشغِّل مصانعها، وتُبقي شبابها بمنأى عن النار، بينما ينشغل الخليج في مواجهة مدمّرة مع جاره الإيراني.
وليس هذا الواقع جديداً على دول الخليج التي تحتفظ ذاكرتها الجماعية بندوبٍ غائرة من تجربة سابقة، حين وجدت نفسها قبل أربعة عقود في قلب معركةٍ لم تكن طرفاً أساسياً فيها، لتخرج منها بعبرة لا تُمحى مفادها أنّ الانجرار خلف محاور الصراع أو الرهان على الوعود الأميركية لا يجلب سوى المزيد من التبعية. في الواقع، تُعدّ الحرب العراقية-الإيرانية (1988-1980) أطول نزاع إقليمي في القرن العشرين، لم تكن فيها دول الخليج مجرّد متفرّجٍ على الضفة، بل وجدت نفسها محاطة بنيران الصراع الذي مزّق الجارتين وألقى بظلاله على أمنها واستقرارها. رغم إعلان الحياد في مراحل مبكّرة من الحرب، تحوَّل الخليج العربي إلى ميدان لعمليات استهداف ناقلات النفط والبنى التحتية البحرية، والتي بلغت عشرات الهجمات في الثمانينيات، فضلاً عن تسرُّب ملايين البراميل من النفط في مياه الخليج نتيجة القتال والألغام البحرية، ما شكَّل تهديداً لاقتصاداتها وموانئها النفطية. لم يوفِّر هذا الاستنزاف الأمني والاقتصادي لدول الخليج أمناً مستداماً، بل عزَّز اعتمادها على الضمانات الأميركية في ما يخصّ أمن الطاقة والممرّات البحرية وجلب حضوراً وتدخُّلاً أميركياً أكبر في مياه الخليج آنذاك.
ينبغي على الدول الخليجية ألّا تنجرّ إلى لعبة ترامب وأن تدرك جيّداً أنّ الوقت ليس في صالحه، فعدم الانصياع لمطالبه هو الطريق الأنجع لكشف زيف هذا السمسار الذي يتاجر بمصائر الشعوب
ترتبط العلاقات الدفاعية بين الولايات المتّحدة ودول الخليج العربي بشبكةٍ معقّدة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، حيث شكَّلت مبيعات السلاح أحد أبرز أعمدتها خلال العقود الأخيرة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والحروب المحيطة بالمنطقة، أصبحت دول الخليج من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، بينما برزت الشركات الأميركية بوصفها المورِّد الرئيسي لهذه المنظومات الدفاعية المتقدّمة. وتشير تقارير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أنّ الولايات المتّحدة استحوذت على الحصّة الأكبر من صادرات السلاح العالمية خلال السنوات الماضية، وكانت المملكة العربية السعودية والإمارات بين أهمّ الزبائن. هذا الواقع جعل الإنفاق الدفاعي الخليجي عنصراً مؤثّراً في دعم قطاعات التصنيع العسكري الأميركي وما يرتبط بها من وظائف وسلاسل إمداد صناعية. وفي الوقت نفسه، يرى معهد استوكهولم الدولي أنّ المخاوف الأمنية الإقليمية، بما فيها التوتر مع إيران والحروب في الجوار، دفعت هذه الدول إلى توسيع مشترياتها الدفاعية بصورة مستمرّة. وهكذا يتداخل الأمن بالاقتصاد في علاقةٍ تجعل صفقات التسلُّح رافداً اقتصادياً مهمّاً لصناعة السلاح الأميركية، ضمن معادلة دولية معقّدة تتشابك فيها السياسة بالطاقة والجغرافيا.
رغم ما تمتلكه دول الخليج العربي من فوائض مالية ضخمة، فإنّ بناء صناعة عسكرية محلية متكاملة ظلَّ هدفاً معقّداً أكثر منه مشروعاً سهل المنال. فالتقنيات الدفاعية الحديثة تقوم على سلاسل طويلة من البحث العلمي، والتطوير الهندسي، وشبكات المورِّدين، والخبرات البشرية المتخصِّصة التي تراكمت في الدول الصناعية الكبرى عبر عقود. وتشير تقارير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أنّ معظم واردات السلاح في المنطقة ما زالت تأتي من الولايات المتّحدة وأوروبا، وهو ما يعكس صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي الدفاعي بسرعة. كما أنّ نقل التكنولوجيا العسكرية يخضع لقيود سياسية وقانونية معقّدة، إذ تتحفّظ الدول المصدِّرة على تسليم أسرار التصنيع الكامل، وتفضِّل ترتيبات التجميع أو الشراكات المحدودة بدل التوطين الشامل. إضافة إلى ذلك، فإنّ حجم السوق المحلية في دول الخليج، مقارنةً بالدول الصناعية الكبرى، لا يوفِّر دائماً اقتصاديات الحجم اللازمة لقيام صناعات تسليح ثقيلة قادرة على المنافسة العالمية. ورغم إطلاق مبادرات وطنية للتصنيع العسكري في السعودية والإمارات وقطر، فإنّ هذه الجهود ما زالت في مراحل التطوير، وتركِّز غالباً على الصيانة والتجميع وبعض الأنظمة الدفاعية المحدودة. وهكذا تبقى الفجوة التكنولوجية، واشتراطات التراخيص، وضيق القاعدة الصناعية، عوامل تفسِّر استمرار الاعتماد على المورِّدين الدوليين.
رغم ما تمتلكه دول الخليج العربي من فوائض مالية ضخمة، فإنّ بناء صناعة عسكرية محلية متكاملة ظلَّ هدفاً معقّداً أكثر منه مشروعاً سهل المنال
في مفارقة لافتة تجسِّد أعمق صور التبعيّة، تُمسك واشنطن بيدٍ مِلَف الأمن الخليجي، فيما تَغُلّ بيدها الأخرى باب التصنيع العسكري المحليّ، لتبقي دول الخليج في دائرة الاستهلاك الأمني لا الإنتاج السيادي. فبدلاً من تمكين هذه الدول من بناء قدرات دفاعية ذاتية تُحرِّر قرارها، غمرتها بقواعد عسكرية أميركية ضخمة تحت شعار الحماية. لكن الحرب المشتعلة مع إيران كشفت الوجه الحقيقي لهذه القواعد، إذ أثبتت الأيام أنّها لم تكن سوى ثكنات متقدّمة لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية أوّلاً، فقد تُركت أجواء دول الخليج وأراضيها عرضةً يومياً للقصف الإيراني الذي طاول مطارات دبي والكويت ومنشآت النفط في الفجيرة، دون أن ترفع تلك الرادارات المتقدّمة طارئاً لنجدة هذه الدول الخليجية المضيفة لها.
خلاصة القول، ترامب وهو رجل الصفقات الذي لا يعرف لغة سوى لغة الربح والخسارة، يتعامل مع القضايا الدولية الكبرى كما يتفاوض على صفقاته العقارية، فهو يوجِّه تهديدات مدوِّية هنا، ويطلق وعوداً برّاقة هناك، وكل ذلك بهدف انتزاع تنازلات ما كان ليحصل عليها لولا لغة الضغط والتهديد. لكن الهدف الأعمق يتجاوز إيران إلى ما هو أبعد، فهو يضع نصب عينيه إخضاع الجميع لمعركة كبرى ضدّ الصين، وإبقاء الدول العربية هشّة في مواجهة إسرائيل، واستنزاف ثروات الخليج في شراء سلاح أميركي يُدير به عجلة اقتصاده. لذلك ينبغي على الدول الخليجية ألّا تنجرّ إلى لعبة ترامب وأن تدرك جيّداً أنّ الوقت ليس في صالحه، فعدم الانصياع لمطالبه هو الطريق الأنجع لكشف زيف هذا السمسار الذي يتاجر بمصائر الشعوب.

أخبار ذات صلة.
«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة