لبنانيون في مراكز النزوح... حين تُصبح الخيمة بيتاً مؤقتاً
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يبدأ التكيّف مع واقع النزوح في مراكز الإيواء من الخيام والبطانيات، ولا من مواعيد الحصص الغذائية، بل يبدأ من تلك اللحظة التي يقرّر فيها النازح أن يسمّي الغرفة الصفية أو الخيمة "بيتاً"، وحين يبدأ الحديث مع أفراد عائلته عنها بهذا المعنى، وحين تُعاد تسمية المأوى، ليس لأنّه يشبه البيت، بل لأنه ما يتوفر، ولأنّ الحياة لا تُحتمل من دونه. في العديد من مراكز الإيواء ونقاط النزوح في العاصمة اللبنانية بيروت، تتكرّر كلمة "بيتي" على ألسنة أكثر من نازح ونازحة بينما يشيرون إلى خيامهم، أو الغرف المؤقّتة التي تؤويهم. ليست زلّة لسان، وإنما اختيار، أو ربما محاولة للتطبع مع شكل الإقامة القسرية، وإعطاء هذا المكان المؤقّت اسماً يمكن احتماله. في محيط منطقة الطيونة على تخوم ضاحية بيروت الجنوبية، حيث تتجاور الخيام وتُشدّ الشوادر فوق الأرصفة والساحات، يبدو المشهد أشبه بمحطة انتظار مفتوحة على زمن غير معروف. صفوف من القماش المشدود، وحبال مربوطة إلى أعمدة كهرباء، وأرض إسفلتية تحوّلت فجأة إلى حيّ مؤقّت. لكن داخل هذه الخيام، يحدث شيء آخر تماماً. يمكنك ملاحظة صورة معلقة، أو سجادة مفروشة، أو زاوية مخصصة للطبخ، ومساحة للأطفال. ليست هذه محاولات للراحة، بل محاولة لإعادة ترتيب العالم. نزحت اللبنانية حوراء أبي حيدر من الشياح إلى محيط الطيونة، وهي لا تعتبر أن الخيمة مكان انتظار، بل مكان يتحتم عليها أن تعيد ترتيب تفاصيل حياتها فيه بسرعة قبل أن يختلّ إيقاع الحياة. تقول إن من أول ما فعلته كان تعليق مرآة صغيرة. المرآة هنا ليست تفصيلاً، إنها إعلان بأنّ الحياة الشخصية لا تزال موجودة. بعدها فرشت سجادة على أرض الخيمة، ثم رتّبت مساحة ضيّقة للطبخ، وبعد أيام قليلة، بدأت تحضّر الطعام كما كانت تفعل في منزلها. تقول أبي حيدر لـ "العربي الجديد": "الطبخ ليس تفصيلاً يومياً عادياً بالنسبة لي، بل طريقة للحفاظ على إيقاع الحياة الطبيعية. أحضّر ما يتوافر، وأرتب الأواني بعناية، وأصرّ على أن يبدأ النهار وينتهي كما كان يبدأ وينتهي في البيت. أحاول جاهدة أن أتعامل مع الخيمة باعتبار أنّها رحلة طويلة أكثر من كونها نزوحاً مفتوحاً على المجهول. أحب أجواء النهر والتخييم. لنعتبرها رحلة تخييم حتى يمكننا الاستمرار". نزح بلال مرعي من صريفا، ولم يكتفِ بخيمة واحدة، بل شدّ شادراً كبيراً فوق المكان، فصار كأنّه سقف بيت واسع، ثم بدأ يقسّم المساحة إلى خيمة له مع زوجته، وأخرى للأولاد، ومساحة خصّصها لتكون غرفة جلوس، كما وضع علبة كرتون في مكان الطاولة، وثبّت باباً صغيراً على مدخل الخيمة.  يقول مرعي لـ "العربي الجديد": "إذا طالت الحرب، أفكّر في إضافة مرحاض أيضاً. ليست تلك مزحة، إنها خطة. أحاول التصرف كما لو أنني ما زلت في قريتي صريفا، ومن يمرّ إلى الجوار أحيّيه قائلاً: ميّل، كما لو أنّه يعبر أمام منزلي هناك في القرية. يجلس الأصدقاء عندي في المساء، يشربون الشاي ويلعبون الورق، ونتحدّث عن أخبار القرية كما لو أنّها بعيدة، رغم أن المسافة بيننا وبينها دقائق بالسيارة". يشبه المشهد باحة بيت في صريفا أكثر ممّا يشبه زاوية نزوح مؤقّتة في محيط الطيونة. يقول بلال: "هذه الطقوس ليست ترفاً. هذا الذي يعطي الأمل والدافع بالاستمرار. أحاول استعادة طقوس الضيعة داخل الخيمة، ليس لأنّي أملك فائض وقت، بل لأنّ هذه الطقوس هي ما يُبقينا على قيد الحياة". في أحد الممرّات الضيّقة داخل مركز إيواء العازرية في بيروت، حيث تصطفّ الغرف المؤقّتة، وتُترك الأحذية خارج الأبواب في إشارة إلى حياةٍ تدور في الداخل، نصل إلى غرفة بتول طه، النازحة من ميس الجبل، والتي تقف عند مدخلها قائلة: "لا يمكننا التدلّل. لازم نتحمّل". لا تقولها بصفتها حكمة، بل قاعدة يومية تعيش عليها منذ لحظة خروجها من بيتها الذي غادرته على عجل، ولم تحمل معها سوى القليل من الثياب، وبطانيات خفيفة، وأغراض أساسية وضعتها في حقيبة واحدة. كانت تظنّ أنّ النزوح لن يطول، لكن الأيام طالت، وبدأت الغرفة تكتسب ملامح البيت. إبريق شاي صغير، وأكواب محدودة العدد، وحصيرة تفصلها عن الأرض الباردة، وأحذية تُترك دائماً خارج باب الغرفة، كما في بيتها تماماً. تقول بتول لـ "العربي الجديد": "لا أحب أن أطلب شيئاً من أحد، ونجود دائماً بالموجود. أستيقظ باكراً في كل صباح قبل أن تمتلئ الممرّات بالحركة. أرتّب فرش النوم، وأطوي الأغطية، وأكنس المساحة الصغيرة، ثم أعيد توزيع الأشياء كما لو أنّني ما زلت في بيتي في ميس الجبل. الترتيب بالنسبة لي ليس عادة منزلية فقط، إنه طريقة لمقاومة الفوضى التي يفرضها النزوح. داخل الغرفة، رتّبت أماكن النوم بحيث تبقى مساحة ضيّقة للحركة، وعلّقت بعض الثياب، وضعت الأغراض في زوايا محدّدة، وخصّصت ركناً صغيراً لإعداد الطعام بما يتوافر. أحرص على أن يبقى كل شيء في مكانه، حتى لو كان المكان مؤقّتاً، فالترتيب نفسه وسيلة لمقاومة فوضى النزوح". تعرف بتول أنّ الغرفة ليست بيتاً، وأنها لن تصبح كذلك، لكنها تعرف أيضاً أنّ الحياة لا يمكن تعليقها إلى حين انتهاء الحرب. لذا تعيد صياغتها داخل المساحة الضيّقة. توقظ أولادها صباحاً، وترتّب ثيابهم، وتُحضّر ما تيسّر من طعام، ثم تتابع تفاصيل يومهم، وتحاول أن تحافظ على إيقاع حياة يشبه ما كانوا يعيشونه في ميس الجبل. لا تتحدّث عن الصبر، بل عن قرار قاطع بأن تستمرّ الحياة، حتى داخل غرفة مؤقّتة في ممر طويل من غرف النزوح. إلى حين العودة. في إحدى الزوايا الهادئة داخل معهد بئر حسن، حيث تحوّلت الصفوف إلى غرف نزوح مؤقّتة، تجلس هلا مقداد، النازحة من الضاحية الجنوبية، أمام باب الغرفة التي تسكنها منذ أسابيع. لا تقول غرفتي، ولا تقول بيتي، بل تقول عنها "قعدتي". وصلت إلى المعهد حاملة حقيبة واحدة، وكيساً صغيراً فيه فناجين قهوة مزخرفة وصحنان ومفرشاً مطوياً بعناية. لم تأخذ معها خلال النزوح الكثير من الأغراض، لكنها اختارت أن تحمل هذه الفناجين تحديداً. تقول: "هذه الفناجين ورثتها عن أمي، وهي ورثتها عن أمها. قيمتها أنها من أيام الزمن الجميل". منذ وصولها، صار باب الغرفة مكان اللقاء، تمرّ النساء النازحات واحدة تلو الأخرى، فتسأل كل واحدة منهن: "تشربي فنجان؟"، نادراً ما ترفض إحداهن، ليتحوّل الفنجان إلى حديث قصير، واستراحة من أخبار القصف. إنها محاولة صغيرة لإعادة شيء من إيقاع الحياة الذي انكسر فجأة. تقول هلا: "البيت بقي هناك في الضاحية. لكني أخذت القعدة معي إلى هنا. أكثر ما أخافه ليس طول النزوح، بل أن أنسى شكل يومي القديم. إذا تغيّر شكل نهاري فسأشعر أنني فعلاً تركت بيتي. لذا أرتب في كل صباح الفناجين، وأغلي القهوة كما كنت أفعل في منزلي تماماً. أجلس عند باب القعدة أنتظر أن يمرّ أحدهم ليشاركني الفنجان. كأنّ البيت، رغم كل شيء، ما زال قريباً بما يكفي".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية