يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ عميد المهيوبي
تقف مدينة تعز مع كل موسم أمطار أمام واقع تتجدد فيه مخاطر قنوات تصريف السيول المفتوحة داخل الأحياء السكنية، والتي تحولت من مشاريع خدمية يُفترض أن تحمي السكان إلى تهديد مباشر لحياة الأطفال والمارة.
وتشكل هذه القنوات، في ظل غياب الأغطية الحديدية في بعض المواقع أو تلفها أو استخدامها كمكبات للنفايات، “مصائد مفتوحة” خصوصًا للأطفال أثناء عودتهم من المدارس أو لعبهم قرب مجاري المياه، في وقت تتواصل فيه المعالجات المؤقتة ويستمر تراكم الإهمال وغياب الحلول الجذرية.
خطراً متجدداً ومشاريع بملايين الدولارات
مليارات الريالات وملايين الدولارات خُصصت خلال العقود الماضية لمشاريع حماية تعز من السيول، بتمويلات محلية ودولية بلغت نحو 96.2 مليون دولار، نُفذت على مراحل منذ تسعينيات القرن الماضي، وشملت أعمالًا في قنوات التصريف والمجاري والطرق وجسور المشاة، إلى جانب دعم مؤسسي للسلطة المحلية.
وخلال المرحلتين الأولى والثانية (1990–2008)، جرى إنفاق ما يقارب 76.2 مليون دولار، شملت إنشاء قنوات حجرية ومغلقة، وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة، إضافة إلى مشاريع خدمية ومؤسسية أخرى، فيما أُقر لاحقًا قرض تكميلي لاستكمال الأعمال المتبقية.
ورغم هذا الحجم الكبير من التمويل، فإن مشروع حماية المدينة من السيول لم ينجح في إنهاء المخاطر، إذ لا تزال الحوادث تتكرر في المواقع ذاتها التي شملها المشروع، ما يكشف فجوة واضحة بين حجم الإنفاق وواقع التنفيذ، مع ضعف الصيانة وغياب الرقابة والمحاسبة والشفافية، خاصة أن المشروع توقف عام 2006 دون استكمال أعماله، ليتحول من مشروع حياة إلى مصدر تهديد مستمر للسكان.
جهود وتحديات
وفي مواجهة الانتقادات المتصاعدة بشأن تكرار حوادث السقوط في فتحات تصريف السيول، أرجع مدير مكتب الأشغال العامة والطرق في تعز، المهندس بشير البريهي، هذه الحوادث إلى عدة عوامل متراكمة، في مقدمتها تهالك البنية التحتية وغياب الصيانة الدورية منذ سنوات، إلى جانب الاعتداءات المتكررة على أغطية العبارات، سواء بالسرقة أو فتحها لتصريف المياه المنزلية أو رمي المخلفات، ما يجعلها مصائد مفتوحة تهدد حياة السكان، خصوصًا الأطفال.
وأوضح البريهي في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن استمرار الحرب وتوقف مشروع حماية تعز من السيول في مراحله النهائية، إضافة إلى شحة الإمكانيات، ساهمت في تفاقم هشاشة منظومة التصريف، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواقع التي شهدت حوادث مؤخرًا كانت ضمن نطاق المشروع لكنها لم تُستكمل أو تخضع للصيانة.
وحول غياب الرقابة المجتمعية، أكد أن المكتب يدعم أي مبادرات بالتنسيق مع عقال الحارات، غير أن التنسيق لا يزال ضعيفًا ولا توجد آليات واضحة لتنظيم هذا الدور، داعيًا إلى شراكة حقيقية بين المجتمع المحلي والسلطة لضبط المخالفات ومنع العبث بمرافق التصريف.
وفي ما يتعلق بالأغطية، أشار إلى أن العديد منها تعرض للسرقة أو التلف، لافتًا إلى أن المكتب يسعى ضمن الإمكانيات المتاحة لاستبدالها بأغطية أكثر متانة، إلا أن ذلك يتطلب تمويلاً واستجابة عاجلة من الجهات الداعمة.
وبيّن البريهي أن المكتب نفذ نزولات ميدانية وفتح قنوات مغلقة ورفع مخلفات بالتنسيق مع صندوق النظافة، إضافة إلى حصر مواقع الخطورة، إلا أن حجم الأضرار واتساع المدينة يفوق القدرات الحالية.
ودعا إلى استكمال مشروع حماية تعز من السيول، وتأهيل الشبكات القائمة، وتوفير معدات للدفاع المدني وصندوق النظافة، وإنشاء نظام إنذار مبكر، وتفعيل حملات التوعية، ومنع البناء في مجاري السيول.
واختتم بدعوة المواطنين إلى عدم فتح أغطية العبارات أو استخدامها كمكبات للنفايات، مؤكدًا أن حماية المدينة مسؤولية مشتركة.
المسؤولية القانونية
وبرغم الجهود المشار إليها، لا تزال حوادث السيول في تعز خلال السنوات الثلاث الأخيرة تسجل وفيات وأضرارًا متكررة، خصوصًا بين الأطفال، في نمط يعكس استمرار المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية غير الآمنة، وكان آخرها وفاة ثلاثة أطفال مع بداية موسم أمطار 2026 خلال أقل من 48 ساعة.
وتتداخل المسؤولية بين السلطة المحلية والجهات الحكومية المشرفة على مشاريع البنية التحتية والجهات المنفذة والممولة، في ظل غياب منظومة فعالة للمساءلة والمتابعة، وافتقار واضح لخطط صيانة مستدامة.
وفي هذا السياق، يقول المحامي والناشط الحقوقي علي الصراري إن ما تشهده تعز مرتبط بطبيعة جغرافية المدينة وانتشار مجاري السيول، غير أن ذلك لا يعفي الجهات المعنية من مسؤوليتها القانونية في الصيانة والتأمين باعتبارها مرافق عامة.
ويضيف، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن المسؤولية القانونية تتوزع بين السلطة المحلية ومكتب الأشغال وصندوق النظافة، وأن أي تقصير في صيانة العبارات أو تركها مكشوفة يندرج ضمن المسؤولية التقصيرية.
كما يشير إلى أن جزءًا من المسؤولية يقع على المواطنين الذين يتعامل بعضهم مع مجاري السيول كمكبات أو يفتحون الأغطية، وهي أفعال يعاقب عليها القانون جنائيًا ومدنيًا.
ويؤكد أن المسؤولية تمتد أيضًا إلى الأسرة والمؤسسات التعليمية في التوعية بمخاطر السيول، وإلى وسائل الإعلام في رفع الوعي المجتمعي.
ويشدد على أن ما يحدث في تعز يعكس غياب منظومة متكاملة للمساءلة والوقاية، وأن المسؤولية تكاملية بين الدولة والمجتمع والأسرة.
أزمة بلا معالجة جذرية
تكتفي السلطات غالبًا بإصدار التوجيهات واتخاذ إجراءات مؤقتة بعد كل حادثة، ما يعكس نمط استجابة قاصر يُبقي المخاطر قائمة ويكشف فشلًا في معالجة جذور الأزمة.
ويرى الناشط عبد الحكيم أنعم أن ما يحدث في تعز يعكس خللًا عميقًا في إدارة ملف السيول، حيث تتحول الأمطار من مصدر خير إلى كوارث متكررة بسبب غياب الحلول المستدامة.
ويقول في حديثه لـ”يمن مونيتور”، إن تكرار الحوادث رغم الخسائر يكشف “عقلية ترميم مؤقت” تكتفي بردود الفعل بعد الكوارث بدل التخطيط الوقائي.
ويضيف أن غياب التنسيق وتشتت المسؤوليات وضعف المتابعة يؤدي إلى تضارب في الأعمال أو تنفيذ جزئي غير مكتمل.
ويؤكد أن الحل يتطلب تحولًا من إدارة الكوارث إلى إدارة المخاطر، عبر تأهيل شامل لشبكات التصريف واستكمال المشاريع المتعثرة وتوحيد الجهود وإشراك المجتمع في الرقابة.
ويختتم بالتأكيد أن تعز لم تعد تحتمل المزيد من المعالجات المؤقتة، داعيًا إلى حلول عاجلة تضع حدًا لدورة الخسائر المتكررة.
The post تعز.. مشاريع بملايين الدولارات تتحول إلى “مصائد موت” مع كل موسم أمطار appeared first on يمن مونيتور.
أخبار ذات صلة.