في فاجعة هزّت قرية الجديد بمنطقة السحول في محافظة إب وسط اليمن، أقدم مجهولون على تسميم ثورين من ثيران الحراثة التابعة للمزارع وليد الشرعبي، وذلك بالتزامن مع انطلاق الموسم الزراعي.
تأتي جريمة تسميم ثيران الحراثة في ذروة حاجة المزارعين، إذ بدأ الجميع بقلب الأرض استعدادًا لموسم البذر، ليجد المزارع وليد الشرعبي نفسه فجأةً بلا وسيلة الحراثة التي كانت توفر مصدر رزق أسرته المكوّنة من 14 فردًا.
وفي ذمار تسببت خلافات بنفوق عشرات الأغنام نتيجة تعرضها للسم في فبراير/ شباط الماضي، وخسر المزارع دارس محي الدين في منطقة الجبري مغرب عنس، 40 رأس من الأغنام، ولا يمتلك سوى 10 منها والباقي أخذها من مزارع آخر.
ومع تصاعد حوادث الانتقام بالماشية في القرى اليمنية، يبرز تساؤل حول مدى غياب المنظومة القيمية في الأرياف، إذ تشير الحوادث المتكررة إلى تصدع اجتماعي خطير، وتهديد مباشر لسبل عيش المزارعين، لا سيما في ظل تدهور الأوضاع والمعيشية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.
مواضيع مقترحة
- انحسار الثروة الحوانية .. أرقام صادمة تهدد الأمن الغذائي
- تراجع حاد يهدد الثروة الحيوانية
- الثروة الحيوانية .. ركيزة اقتصادية مهملة في اليمن

إعدامٌ معيشي
تزامنت حوادث تسميم ثيران الحراثة مع انطلاق الموسم الزراعي الحالي ، في خطوة تحمل ارتدادات سلبية خطيرة؛ إذ يشكل الاستهداف تهديداً مباشراً لمصدر دخل الأسرة التي تعتمد كلياً على كدح الموسم لتأمين قوتها الضروري على مدار العام.
ولا يمثل فقدان الحيوانات في هذا التوقيت الحرج خسارة مادية فحسب، بل ينسف جهود عام كامل من التخطيط، ويضع مُلاك الماشية أمام مأزق معيشي خانق يهدد استقرارهم الغذائي وقدرتهم على الاستمرار في الإنتاج.
وبفعل شنيع تقشعر له الأبدان، تحولت أداة الإنتاج الصامتة إلى جثث هامدة، ليتوقف معها نبض العيش في منزل المزارع الشرعبي، حيث علق الناشط محمد مزاحم قائلا: “حين يعجز الخصم عن مجاراة الكدّ الشريف، يلجأ إلى الغدر الخسيس”؛ فلقد أصاب السمُّ قلب الأسرة قبل أن يصيب أحشاء الحيوان.
وفي ظل التدهور الحاد للأوضاع الاقتصادية والمعيشية، باتت حيازة ثور الحراثة عبئاً مالياً ضخماً يتجاوز قدرات المزارع البسيط؛ حيث تصل تكلفة شراء الثور الواحد إلى نحو 800 ألف ريال يمني أي ما يعادل 1500 دولار أمريكي.
وتتضاعف الكلفة عند شراء زوج من الثيران لتصل إلى مليون و600 ألف ريال نحو 3000 دولار أمريكي. وتعكس تكاليف الشراء الباهظة واقعاً مريراً إذ يعد المبلغ كافياً لتأسيس مشروع تجاري صغير، مما يجعل امتلاك الحيوان استثماراً عالي المخاطر.
وفقدانها لا يقتصر على كونه خسارة عابرة، بل يمتد ليشمل تبديداً لرأس مال يوازي قيمة محل تجاري متكامل، وانهياراً تاماً لمصدر الرزق الأساسي الذي تعتمد عليه الأسرة في تأمين قوتها اليومي، ويمكن أن تواجه شبح الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

خطر صامت
نقل المزارع عبد الحاج، أحد أبناء ريف محافظة إب، صورة قاتمة للوضع، واصفاً حوادث تسميم الأثوار بـ الفاجعة والكارثة التي تجاوزت خسائرها البعد المادي لتصيب المجتمع الزراعي في مقتل.
وأوضح الحاج أن الحوادث خلقت حالة من الرعب بين المزارعين، الذين باتوا يعيشون قلقاً مستمراً على مواشيهم؛ حيث تحولت الحظائر من مأمن للثروة الحيوانية إلى مصدر قلق دائم خشية أن تطالها يد العبث، مما يهدد استقرار النشاط الزراعي.
وتأتي هذه السلوكيات الإنتقامية ضد الماشية لتنال من مصدر العيش للمزارعين وهو مرتبط وجدانياً في حياتهم اليومية وله قدسية في العرف اليمني القبلي من كون الحيوان شريكاً في البقاء وليس مجرد ملكية خاصة.
وعلى مستوى المجتمع كان استهداف الثور أو الناقة يُعد اعتداءً على حق الحياة وتجاوزاً لخطوط الخصومة الشريفة، إذ كانت القبائل تأنف من تصفية الحسابات عبر الكائنات الضعيفة أو مصادر الرزق، وتعتبر ذلك دليلاً على العجز والوضاعة.
تصل تكلفة شراء الثور الواحد إلى نحو 800 ألف ريال يمني أي ما يعادل 1500 دولار أمريكي
في السياق شدد المهندس الزراعي محمد الحزمي على البعد الإنساني والأخلاقي في التعامل مع الثروة الحيوانية، مشيراً إلى أنها جزء لا يتجزأ من البيئة المحيطة بالإنسان، مما يفرض مسؤولية حمايتها.
وفي حديث خاص لـ “ريف اليمن”، وصف الحزمي لحظات نفوق الحيوانات أمام أعين مربيها بأنها قاسية ومؤلمة، لاسيما عندما تكون الأسباب معلومة بينما يقف المربي أو المتخصص مكتوف الأيدي، عاجزاً عن التدخل لإنقاذها نتيجة نقص الإمكانيات أو الظروف القهرية المحيطة.
عيب أسود
تؤكد الصحافية خديجة خالد أن قتل الثور في المجتمعات الزراعية لا يُصنف كاعتداء عابر على كائن حي فحسب، بل هو في جوهره عملية تعطيل ممنهجة للإنتاج وضربة قاصمة لمحرك الاقتصاد الريفي.
وتوضح خالد لـ “ريف اليمن” أن غرامات قليلة من السم لا تنهي حياة حيوان فحسب، بل تضع حداً لتدفق الرزق لأسرة كاملة، محولةً إياها من وحدة إنتاجية تعتمد على كدحها إلى أسرة معدمة تواجه مصيراً مجهولاً.
وتشير خالد إلى أن هذا السلوك يمثل انتقاماً اقتصادياً عابراً للأجيال، فالثور في الحقل هو رأس المال والمعدة التي تطحن الصعاب لتخرج قوتاً، واستهدافه يعني شل قدرة المزارع على حراثة أرضه، مما يؤدي إلى تبوير المساحات الزراعية واتساع رقعة الفقر.
وتضيف أن ما يبدو جرعة سم واحدة هو في العمق اغتيال للأمن الغذائي وقطع لشريان الحياة الذي يربط الإنسان بأرضه، مما يترك أثراً ممتداً يتجاوز خسارة الحيوان إلى انهيار المنظومة المعيشية للبيت الريفي بالكامل.
وفي العرف المجتمعي يعد الاعتداء على الماشية أو إتلاف الزرع في الأرياف اليمنية يُصنف في المرتبة الأشد غلظة ضمن الأعراف القبلية، ويُطلق عليه “العيب الأسود”. وهو توصيف يوصم مرتكبه بالخزي الذي لا يمحوه إلا اعتذار ثقيل وجبر للضرر يتجاوز حجم الخسارة المادية بأضعاف.

غياب القوانين
يرى الحقوقي توفيق المليكي أن استهداف وسائل الإنتاج التقليدية، وعلى رأسها حيوانات الحراثة، لا يمكن تكييفه قانونياً كفعل إتلاف مادي للممتلكات فحسب، بل هو جريمة تمس الحق الأصيل في الحياة والأمان المادي؛ كونه يمثل قطعاً متعمداً لسبل العيش وإعداماً اقتصادياً لأسرة المزارع.
وأوضح المليكي لـ “ريف اليمن” أن أثر هذا الفعل يمتد من خسارة رأس مال حيواني إلى تعطيل منظومة الأمن الغذائي، وهو ما يُصنف في القانون الدولي الإنساني والتشريعات الوطنية كأحد أخطر أشكال الإضرار العمدي بالبنية التحتية للمجتمعات المنتجة.
توفيق المليكي: الانتقام بالماشية يمتد من خسارة رأس مال حيواني إلى تعطيل منظومة الأمن الغذائي
ولضمان انتزاع تعويضات عاجلة وجابرة للضرر، يشدد المليكي على ضرورة تحرك الجهات الحقوقية والنيابة العامة لتجاوز المطالبة بالقيمة السوقية للحيوان، والتركيز على مفهوم التعويض عن الكسب الفائت عبر إلزام الجاني بدفع قيمة العوائد الإنتاجية والمحاصيل التي حُرم منها المزارع نتيجة توقف عملية الحراثة.
كما دعا إلى تفعيل التدابير القضائية المستعجلة لتوفير بدائل إنتاجية فورية تضمن عدم ضياع المواسم الزراعية، صوناً للسلم الاجتماعي وحمايةً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كفلها الدستور.
وتشكل الثروة الحيوانية نحو 25 بالمئة من القوى العاملة في الأرياف اليمنية، في حين يستوعب القطاع الزراعي الشريحة الأكبر من الأيادي اليمنية العاملة، وفق بيانات حكومية رسمية. كما توفر الثروة الحيوانية الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، بحسب منظمة الفاو.