نحكي كي لا ننسى
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
عزمتُ منذ أيّام على العودة إلى بيتنا في مدينة غزّة. استيقظت في الخامسة فجرًا، كي أتأمّل الصباح وأعود بالذاكرة إلى صباحاتٍ كنت أصحو فيها على صوت أبي وأمي وإخوتي مُجتمعين في البيت. يخيل إليّ، في أحيانٍ كثيرة، أنّني لا أريد سوى أن أرتدي الثوب الأسود إلى آخر الدهر، حدادًا على الهواجس التي تحقّقت، والسنوات التي استطاعت أن تُفلت من حدودها؛ لأنّ أعمارَنا، كما هو معروف، تفيض عن أعمارِنا، وتقفز بلا استئذان إلى ما قبلها أو ما حولها، وتمتدّ مُتشعبة في التاريخ والجغرافيا. أتأمّل نفسي بعد عامين من الحرب، أحدّق في الفراغ حولي، فتتداعى الذكريات، وتتردّد في الصدر تأتأةٌ أو دندنةٌ تشي بتأثّرٍ أو حنين، أو شيءٍ ما أعمق وأكثر تركيبًا، تستعصي تسميته. كلّما تذكّرت رغبتي الملحّة بالسفر، وما تبعها من سفر إخوتي جميعًا خلال الحرب (بعضهم مرافق لمريض، وبعضهم ضمن حالات الإجلاء) أنتبه إلى العائلة التي تفرّقت كحبات عقدٍ انفرط، فغدا كلٌّ منهم موزّعًا بين عُمان ومصر وتركيا. أشعر بغصّة الشوق، لكنّي أنتبه إلى صوتٍ آخر يسكنني، وهو أني مُتيّمة في عشق هذه المدينة، وأشعر بامتياز العودة إلى البيت، حتى وإن أضحى ركامًا بعد عامين من الحرب على غزّة، وأنّي انتصرت على شعوري باليأس من فكرة عدم العودة مُطلقًا إلى شمال القطاع.  ما دامت الحكاية قابلة لأن تُروى... لن تموت في طريقي إلى العمل صباحًا، وفي طريق العودة على شارع الرشيد، أحاول بكلّ ما فيّ من إحساس أن أغمض عينيّ طويلًا، وأن أستنشق رائحة البحر (هواء الشيخ عجلين والبيدر)؛ لأنّ أجمل الأشياء هي ما نشعر بها داخلنا فقط، ولأنّي أعرف أنّ إقامتي باتت مسألة وقت فحسب، لأنّ ثمّة حياة أخرى سأسلكها، وطريقًا آخر اخترت، وبكامل وعيي، أن أعبره، ولكن هذه المرّة خارج أسوار هذه المدينة التي قهرتنا جميعًا، ولكننا سنظل نحبّها إلى الأبد. أسمع والدي يردّد دائمًا: "هاد قدرنا الفلسطينية". نعم، قدرُ أن نعيش ممزّقين دائمًا ما بين البين والبينين، قدر أن يعيش أحدنا داخل البلاد وآخر خارجها، بينما كلانا يحلم بلحظة لقاء بخِلّه. وعلى الرغم من أنّي أعرف أنّي أعود إلى اللاشيء، إلا أنّي، في قرارة نفسي، كنت أعرف جيدًا أنّي أعود في محاولةٍ مُستبطنة لإنقاذ شيءٍ من ذاكرة المكان على الرغم من هشاشتي وإنهاكي واضطرابي. سأظل أذكر هذه الأيام، الأيّام التي حاولت فيها استراق شيء من ذلك الزمن. أدلف خلسةً من بوابة الدخول إلى حرم جامعتَي الأقصى والإسلامية، لأمرّ فقط إلى مباني كلية الآداب المُهدّمة. أقف في منتصف الركام، وأحاول... أحاول أن أتذكّرني في الأيّام الأولى التي ارتدت فيها الجامعة برفقة والدي. أتذكّر محاضرات الصرف والنحو التي كنت تلميذته فيها، وكلّ النكات التي كان يوجّهها إليّ خلال المحاضرات، وكلّ الصباحات التي كان يزجرني فيها لكي لا أتأخّر عن الحضور. أتذكّر، وأجد نفسي أغالب الضحك، وأمضي إلى كلّ زاوية متاح لي المرور من خلالها، إلى ذكرى من ذلك الزمن الجميل. أعمارَنا تفيض عن أعمارِنا، وتقفز بلا استئذان إلى ما قبلها أو ما حولها سأظلّ أذكر دهشة والدي لأيّامٍ من قراري بإكمال دراستي العليا في قسم الصحافة والإعلام، ومحاولاته الكثيرة ليتأكّد من أنّ قرار ابنته صائبٌ، ومحاولاته المتكرّرة لمراوغتي في معرفة أسبابي المقنعة؛ لأنّي قرّرت أني لن أكمل، مثله وإخوتي، في سلك اللغة العربية. وأشعر أنّي محظوظة لأني نلت ذلك القدر من المتابعة من والدي، على الرغم من صرامته الشديدة. أذكر يوم تسلّمت شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها بتقدير "جيد جدًا"، وكيف رمقني بأن تحصيلي العلمي لا يوصلني إلى "البيدر" حيث بيتنا؛ لأنّه كان يتمنى لو أنّ ابنته كانت، ككلّ إخوتها، الأولى على الدفعة. لكنني أدركتُ لاحقًا أنّ والدي هو من وضعني على بداية هذا الطريق، وغرس في داخلي ذلك الإصرار، وأشعل شغفي الذي غذّته رغبتي في الكتابة.  وعليه، سأظلّ ممتنة لوالدي ما حييت؛ لأنّ وحده من علّمني حبّ اللغة منذ نعومة أظفاري، وصنعني داخل مكتبته، وخصّني لاحقًا بمكتبة صغيرة صنعتها خلال الجامعة، مولعةً بحبّ الأدب. لم أكن أعرف أنّ السابع من أكتوبر سيكون بداية انطلاقتي الحقيقية في عالم الكتابة الصحافية. وعلى الرغم من أنّي أشعر أنّي لا أكتب فحسب، بل أبكي قصصي وأرثيها، تلك القصص التي أسعى وراءها لأنّ أحدًا يجب أن يرويها، ولأنهّ كما قال رفعت العرير: "إن كان لا بد أن أموت، فعليك أن تعيش أنت لتروي حكايتي". أدرك اليوم أكثر من أيّ وقت مضى أنّ هذا هو واجبي: أن أكتبها كما هي، بوجعها العاري، وبصوت أصحابها الذي لا يجب أن يُحرّف أو يُجمّل. وهكذا، أدركت أنّ هذا الواقع، بكلّ أسف، حقيقة لا أملك تغييرها. لكنني أملك الحكاية. وما دامت الحكاية قابلة لأن تُروى، فهي لن تموت. لهذا سأظل أكتب.. لأنّ على شيء من هذه المدينة أن ينجو.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية