عربي
في صيف شديد الحرارة، تتحول مقصورة السيارة التي تترك تحت أشعة الشمس لفترة طويلة إلى ما يشبه "الفرن"، ويصبح الهواء الساخن الذي يندفع عند فتح الباب تجربة مزعجة يتجنبها كثير من السائقين. ولتخفيض الحرارة بسرعة، يعمل مكيف السيارة عادة بأقصى طاقته، ما يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود أو الطاقة، ويؤثر بشكل مباشر على مدى السيارات الكهربائية. وغالبا ما تركز التقنيات الحالية لعزل الحرارة في السيارات، مثل الأفلام اللاصقة أو الطلاءات، على منع دخول الحرارة من الخارج، لكنها لا تعالج الحرارة المتراكمة داخل المقصورة.
ووفقا لموقع ديب تيك الصيني، المتخصص في نشر الأخبار العلمية والتكنولوجية الحديثة، ظهرت أخيرا تقنية جديدة لطبقة رقيقة شفافة للنوافذ قد توفر حلا مختلفا يعتمد على مبادئ فيزيائية مباشرة، حيث طور فريق بحثي من جامعة سيول الوطنية، بقيادة سيونغ هوان كو، بمشاركة فريق غانغ تشين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبالتعاون مع مهندسين من هيونداي وكيا، فيلما شفافا متعدد الطبقات يعتمد على تقنيات البصريات والهندسة النانوية. وعند تثبيت هذا الفيلم على نوافذ السيارة، يعمل كـ"مكيف غير مرئي"، حيث يسمح بمرور الضوء مع الحفاظ على الشفافية، وفي الوقت نفسه يبدد الحرارة من داخل المقصورة دون استهلاك أي طاقة كهربائية. وقد نشرت نتائج هذا البحث في مجلة الطاقة وعلوم البيئة التابعة للجمعية الملكية للكيمياء، في لندن.
تأثير الاحتباس الحراري داخل المقصورة
وتشبه نوافذ السيارات في خصائصها الحرارية الغلاف الجوي للأرض، إذ تسمح بمرور الضوء المرئي قصير الموجة، لكنها تعيق خروج الإشعاع الحراري طويل الموجة (الأشعة تحت الحمراء). وعند دخول أشعة الشمس إلى المقصورة، تقوم بتسخين المقاعد ولوحة القيادة والمواد الداخلية، التي تعيد بدورها إطلاق الحرارة على شكل إشعاع، لكنه يبقى محبوسا داخل السيارة، ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في درجات الحرارة. وفي الظروف القصوى، يمكن أن تتجاوز درجة الحرارة داخل السيارة درجة الحرارة الخارجية بمقدار يتراوح بين 20 و30 درجة مئوية، وقد تصل في مناطق مثل الشرق الأوسط وجنوب آسيا إلى أكثر من 67 درجة مئوية. وتمثل هذه الظروف خطرا مباشرا على سلامة الركاب، خاصة الأطفال، كما تؤدي إلى تدهور المواد الداخلية وانبعاث مركبات عضوية متطايرة مثل البنزين، ما يؤثر على جودة الهواء داخل السيارة.
كما يضطر السائق بعد دخول السيارة إلى تشغيل المكيف بأقصى طاقة لفترة طويلة حتى تصل المقصورة إلى درجة حرارة مريحة، ما يزيد من استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ، خاصة في السيارات الكهربائية التي قد ينخفض مداها بنسبة تصل إلى 20% بسبب التبريد. وتعتمد الحلول الحالية بشكل أساسي على نوعين: الطلاءات منخفضة الانبعاث (Low-E) والأفلام العازلة التقليدية. تقوم الطلاءات منخفضة الانبعاث باستخدام طبقات معدنية رقيقة (مثل الفضة) لتقليل انتقال الحرارة، بينما تعمل الأفلام التقليدية عبر امتصاص أو عكس جزء من الإشعاع الشمسي. لكن هذه الحلول تعمل في اتجاه واحد، حيث تقلل من دخول الحرارة، لكنها لا تعالج الحرارة التي دخلت بالفعل وتراكمت داخل المقصورة. وفي بعض الحالات، قد تؤدي إلى احتجاز الحرارة داخل السيارة بدلًا من التخلص منها.
تقنية التبريد الإشعاعي
وتعتمد التقنية الجديدة على مبدأ التبريد الإشعاعي، الذي يستغل ما يُعرف بـ"نافذة الشفافية الجوية" في نطاق الأشعة تحت الحمراء (8 إلى 13 ميكرومتراً)، حيث يمكن للإشعاع الحراري أن يمر عبر الغلاف الجوي إلى الفضاء الخارجي. وقد استخدم هذا المبدأ منذ قرون في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهند، حيث كان يتم تبريد المياه ليلا عبر تعريضها للسماء، حتى في درجات حرارة أعلى من الصفر. لكن معظم المواد المستخدمة سابقا في هذا المجال كانت غير شفافة، مثل الطلاءات البيضاء أو الأغشية السيراميكية، ما جعل استخدامها محدودا في النوافذ. ونجح الباحثون في تطوير فيلم شفاف متعدد الطبقات يعرف باسم STRC، يجمع بين الشفافية العالية والقدرة على التبريد، ويحافظ على نفاذية ضوئية تتجاوز 70%، ويعكس الأشعة تحت الحمراء القريبة (المصدر الرئيسي للحرارة الشمسية)، ويبعث إشعاعا حراريا في نطاق الأشعة تحت الحمراء المتوسطة، ما يسمح بتبديد الحرارة خارج السيارة. وبهذا، يعمل الفيلم على تقليل دخول الحرارة، وفي الوقت نفسه طرد الحرارة المتراكمة داخل المقصورة.
وبحسب "ديب تيك"، جرى اختبار الفيلم على سيارات حقيقية في كوريا والولايات المتحدة وباكستان، في ظروف صيفية وشتوية، وأثناء الوقوف والحركة. وأظهرت النتائج، انخفاض درجة الحرارة داخل السيارة حتى 6.1 درجات مئوية، وتقليل استهلاك الطاقة للتبريد بأكثر من 20%، وتقليص زمن الوصول إلى درجة الراحة الحرارية بنحو 17 دقيقة. وفي فصل الشتاء، أدى الفيلم إلى زيادة طفيفة في استهلاك التدفئة بنسبة 0.3% فقط، وهي نسبة تعد ضئيلة مقارنة بالفوائد في الصيف. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن تطبيق هذه التقنية على أسطول السيارات في الولايات المتحدة (نحو 280 مليون مركبة) يمكن أن يقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 25.4 مليون طن سنويا، وهو ما يعادل إزالة نحو 5 ملايين سيارة من الطرق. كما يمكن أن يؤدي تقليل الاعتماد على التكييف إلى تحسين كفاءة السيارات الكهربائية دون الحاجة إلى زيادة حجم البطاريات أو تعقيد الأنظمة.
وقال الموقع الصيني، إنه جرى تصميم الفيلم ليكون قابلا للإنتاج الصناعي على نطاق واسع، ما يسمح باستخدامه ليس فقط في السيارات، بل أيضا في المباني والنوافذ الذكية. وقد تم تسجيل براءة اختراع للتقنية في كوريا الجنوبية، ويعمل الفريق على تطوير طرق تصنيع أكثر كفاءة، إضافة إلى دمجها في تقنيات ذكية مثل الحساسات والمواد المتكيفة مع الظروف المناخية. ومن المتوقع أن تمتد تطبيقات هذه التقنية إلى قطاعات متعددة، بما في ذلك الأبنية الموفرة للطاقة، حيث يمكن أن تساهم في تقليل استهلاك التكييف والتخفيف من ظاهرة الجزر الحرارية في المدن.

أخبار ذات صلة.
فاركه: بذلنا قصارى جهدنا أمام تشيلسي
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق