العراق يسجل أكبر تراجع لأنشطة "داعش" منذ 2014
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يشهد العراق منذ مطلع العام الجاري تراجعاً غير مسبوق على مستوى العمليات الإرهابية لتنظيم "داعش"، في مؤشر أمني يُعد الأدنى منذ اجتياح التنظيم مساحات واسعة من البلاد عام 2014. ووفق مصادر أمنية لـ"العربي الجديد"، فإن وتيرة الهجمات المنسوبة إلى التنظيم انخفضت إلى مستويات محدودة جداً، مع غياب العمليات الكبيرة أو الهجمات المنسقة التي ميّزت نشاطه خلال السنوات الماضية، ما يعكس تحولاً جوهرياً في البيئة الأمنية العراقية. ويعزو مسؤولون ومراقبون هذا التراجع إلى جملة عوامل متداخلة، في مقدمتها تكثيف العمليات الاستباقية التي تنفذها القوات العراقية، وتطور قدرات الاستخبارات في تعقّب الخلايا النائمة، إلى جانب استمرار الضغط الجوي والمعلوماتي. كذلك أسهمت حملات التمشيط المتواصلة في مناطق الأحزمة الزراعية والوديان والجبال والصحاري، ولا سيما في ديالى وكركوك وصلاح الدين والأنبار، في تضييق حركة عناصر التنظيم وحرمانهم الملاذات التقليدية. وتبرز أهمية هذا التراجع في كونه يمنح العراق فرصة نادرة لترسيخ الاستقرار الداخلي، بعد سنوات من الاستنزاف الأمني والبشري والاقتصادي. فكلما انخفض نشاط التنظيم، تراجعت قدرته على بث الخوف أو تعطيل التنمية أو استهداف البنى التحتية والقرى النائية، وهو ما يفتح المجال أمام توجيه الموارد نحو الإعمار والخدمات وتحسين البيئة الاستثمارية، خصوصاً في المحافظات التي عانت طويلاً من الإرهاب. ومع ذلك، يحذر مختصون من اعتبار التنظيم منتهياً بالكامل، إذ لا يزال يحتفظ بقدرات محدودة على المناورة والاختباء في المناطق الوعرة، فضلاً عن محاولاته لاستغلال الثغرات الأمنية أو التوترات السياسية والاجتماعية للعودة مجدداً. لذلك، يرى خبراء أن الحفاظ على هذا المستوى المتدني من نشاط "داعش" يتطلب استمرار الجهد الاستخباري، ومعالجة أسباب الهشاشة التي طالما استفاد منها التنظيم في مراحل سابقة. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية، اللواء تحسين الخفاجي، لـ"العربي الجديد"، إن "مستوى نشاط تنظيم داعش الإرهابي في العراق سجّل منذ مطلع العام الجاري أدنى مستوياته منذ عام 2014، والقوات الأمنية تمكنت من تقليص قدرات التنظيم بشكل كبير عبر عمليات استباقية متواصلة وجهد استخباري مكثف شمل مختلف المناطق التي كانت تُعد سابقاً بؤراً لنشاط الخلايا الإرهابية". وأكد الخفاجي أن "الانخفاض الملحوظ في هجمات التنظيم لم يكن حدثاً عابراً، بل جاء نتيجة خطط أمنية متراكمة نفذت خلال السنوات الماضية، تضمنت ملاحقة القيادات والعناصر الفاعلة، وتفكيك شبكات التمويل والدعم اللوجستي، فضلاً عن مراقبة التحركات المشبوهة في المناطق الصحراوية والجبلية والأراضي الزراعية التي اعتاد التنظيم استخدامها ممراتٍ ومخابئ". وبيّن المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية أن "القوات العراقية نفذت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة عمليات نوعية في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى والأنبار، أدت إلى ضبط أوكار وتدمير مضافات والعثور على أسلحة ومواد متفجرة، إلى جانب اعتقال مطلوبين مرتبطين بالتنظيم، ما أدى إلى شلّ قدرة الخلايا النائمة على إعادة تنظيم صفوفها أو تنفيذ عمليات مؤثرة". وأضاف أن "التنسيق العالي بين الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي والشرطة الاتحادية والأجهزة الاستخبارية لعب دوراً محورياً في تحقيق هذا التراجع، كذلك إن تبادل المعلومات بشكل سريع ودقيق ساعد في إحباط مخططات قبل تنفيذها وتقليل هامش حركة العناصر المتبقية". وأكد الخفاجي أن "داعش ما زال يحاول استغلال المناطق النائية والفراغات الجغرافية وبعض التحديات لإثبات وجوده، لكنه لم يعد يمتلك القدرة على السيطرة أو تنفيذ عمليات واسعة كما حدث في السنوات السابقة، والقوات العراقية مستمرة في حالة الجاهزية العالية، مع اعتماد استراتيجية تقوم على الضربات الاستباقية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الرصد والمراقبة ومنع أي فرصة قد تتيح للتنظيم إعادة بناء شبكاته". من جهته، قال الخبير في الشؤون العسكرية جواد الدهلكي، لـ"العربي الجديد"، إن "التراجع الحالي في نشاط تنظيم داعش الإرهابي داخل العراق يُعد مؤشراً استراتيجياً مهماً، ويعكس انتقال القوات الأمنية من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة السيطرة الميدانية والاستباق الأمني، والتنظيم يمر بأضعف مراحله منذ خسارته المدن الرئيسية عام 2017". وبيّن الدهلكي أن "انخفاض عدد الهجمات ونوعية العمليات خلال الأشهر الأخيرة يدل على تآكل واضح في بنية التنظيم، سواء على مستوى القيادة أو التمويل أو القدرة على التجنيد والتحرك، وداعش لم يعد يمتلك حرية المناورة التي كان يعتمد عليها سابقاً في المناطق المفتوحة أو الحدودية". وأضاف أن "القوات العراقية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء قاعدة معلومات استخبارية واسعة، مكنتها من تتبع الخلايا الصغيرة قبل تنفيذ أي نشاط، فضلاً عن تطوير أساليب المراقبة الجوية واستخدام التقنيات الحديثة في الرصد والاستهداف، وهو ما ضيّق المساحات المتاحة أمام العناصر المتبقية". وأكد أن "التنظيم بات يعتمد حالياً على أسلوب البقاء لا التوسع، من خلال الاختباء في المناطق الوعرة ومحاولة تنفيذ هجمات محدودة لإثبات الوجود إعلامياً، لكنه يفتقر إلى القدرة البشرية واللوجستية اللازمة لتنفيذ عمليات واسعة أو السيطرة على مناطق كما حدث سابقاً". وتابع الدهلكي أن "أهمية هذا التراجع لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي، إذ إن انخفاض التهديدات الإرهابية يمنح المحافظات المحررة فرصة أكبر للاستقرار واستكمال مشاريع الإعمار وعودة السكان وتنشيط الحركة التجارية والاستثمارية". وحذر من أن "التنظيمات الإرهابية غالباً ما تستثمر أي فراغ أمني أو توتر سياسي أو ضعف لإعادة التموضع، ما يتطلب استمرار العمليات الاستباقية وتعزيز التنمية المحلية والحفاظ على التنسيق بين جميع التشكيلات الأمنية". وختم الدهلكي بقوله إن "العراق اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تثبيت هزيمة داعش عسكرياً، لكن القضاء النهائي على خطره يتطلب معالجة الجوانب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي استغلها التنظيم في مراحل سابقة". ويختبئ ما تبقى من عناصر التنظيم في مناطق وعرة، لكن السلطات الأمنية العراقية تقول إنها "تحت المراقبة"، ويستهدف الطيران الحربي العراقي باستمرار خطوط الإمداد لهذه الجماعات، وخصوصاً على حدود محافظات نينوى وديالى وكركوك وصلاح الدين والأنبار، وفي مناطق تقع على حدود محافظتي كركوك والسليمانية، مثل وادي زغيتون ووادي الشاي ووادي حوران. وكان رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني قد أصدر توجيهات إلى القيادات الأمنية بالتأهب وإجراء مراجعات شاملة للخطط العسكرية، مشدداً على تغيير التكتيكات العسكرية المتبعة في المناطق التي تشهد نشاطاً لتنظيم "داعش"، واعتماد أساليب غير تقليدية للمواجهة بهدف إضعاف قدرات عناصر التنظيم والحد من تحركاتهم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية