الشرق الأوسط الجديد اقتصادياً... خريطة النفوذ
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
البعض يتخيل أن الشرق الأوسط الجديد يعني بالضرورة اختفاء دول من الخريطة، وهذا هو المعنى السطحي الذي يقع فيه هؤلاء، لأن الأمر أكبر من اللعب في جغرافيا المنطقة بشكل مباشر، وإن كان هذا ما يبدو من تحركات الاحتلال الإسرائيلي لتحقيق مزاعمه عن إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. و"لعبة المضايق" بين أميركا وإيران على سبيل المثال، تكشف عن تحولات كبرى في المنطقة، فالحرب ليست عسكرية فقط، بل جيوسياسية واقتصادية أيضاً.  فلم تعد عبارة "الشرق الأوسط الجديد" مجرد شعار سياسي مستهلك، بل أصبحت حقيقة اقتصادية وجيوسياسية تُكتب فصولها اليوم بدخان الحرائق فوق مضيق هرمز وباب المندب. نحن أمام "هندسة جغرافية" من نوع جديد، إذ لم تعد الخرائط تُحددها الاتفاقيات الدبلوماسية، بل ترسمها سلاسل الإمداد، ومسارات الأنابيب، وشبكات السكك الحديدية التي تخترق الدول والقارات، والنفوذ الاقتصادي العابر للحدود. فمضيق هرمز تحول من معبر بحري كانت تسير فيه السفن التي تحمل نحو خُمس نفط وغاز العالم بكل حرية وبدون أية مخاطر، إلى نقطة صراع وسيطرة ونفوذ استراتيجية بين القوى المتحاربة.  الحقيقة التي يجب أن نواجهها بلا مواربة هي أن مضيق هرمز لن يعود كما كان. الإغلاقات المتكررة والتحكم الإيراني المطلق في هذا الشريان الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ثم دخول أميركا على الخط عبر تنفيذ حصار بحري، قد حوّل المضيق من "ممر دولي" إلى "ورقة ضغط جيوسياسية" لن تتوقف مع توقف طلقات الرصاص. ولو افترضنا أن أميركا فرضت إرادتها بالحرب أو عبر المفاوضات مع إيران فهذا السيناريو يعني أن السيطرة على المضيق انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية، أما إذا تحقق سيناريو فرض إيران لرسوم على السفن بعد انتهاء الحرب أو التحكم في المضيق، فهذا يعني أن خريطة الطاقة في المنطقة والعالم تتشكل من جديد وبمعالم مغايرة تماماً لما قبل الحرب.  هذا الوضع دفع دول الخليج، ومنها السعودية والإمارات، إلى تسريع خطط "الهروب من المضيق" عبر مسارات برية وأنابيب عملاقة ستغير موازين القوى المالية في المنطقة للأبد. في قلب هذا التحول، تقف قناة السويس أمام التحدي الأكبر منذ افتتاحها. فبينما كانت القناة تاريخياً هي الرابط شبه الوحيد، تبرز اليوم "الممرات الاقتصادية البديلة" خطراً وجودياً، ولا سيما في ظل سعي إسرائيل المحموم للسيطرة على مسارات التجارة عبر مشروع "ممر داوود" (الممر البري- البحري) الذي يستهدف ربط الخليج بأوروبا عبر موانئ إيلات وأسدود وعسقلان.  نحن أمام "هندسة جغرافية" من نوع جديد، إذ لم تعد الخرائط تُحددها الاتفاقيات الدبلوماسية، بل ترسمها سلاسل الإمداد، ومسارات الأنابيب، وشبكات السكك الحديدية التي تخترق الدول والقارات، والنفوذ الاقتصادي العابر للحدود ولا تتحرك إسرائيل بمفردها، بل ضمن رؤية استراتيجية مدعومة من واشنطن لفرض "واقع لوجستي" جديد، ومنها إنشاء القواعد العسكرية في إقليم "صومالي لاند" وتأمين موانئ البحر الأحمر بهدف محاصرة باب المندب وتأمين مسارات بديلة. بعد هذه الحرب، لن تعود اقتصادات المنطقة إلى قواعدها القديمة. نحن نتحدث عن قفزات تاريخية في تكاليف التأمين البحري التي وصلت إلى 7.5% من قيمة الشحنة، وارتفاع كلفة تأجير الناقلات إلى 500 ألف دولار يومياً. هذا "التضخم الجيوسياسي" سيجعل الدول التي لا تمتلك بدائل برية أو تنوعاً لوجستياً في مهب الريح.  نعم، الشرق الأوسط لن يظل كما هو بعد هذه الحرب الطاحنة، فمن لا يملك اليوم القدرة على إعادة تموضع جغرافيته وتحويلها إلى أصول لوجستية مرنة، سيجد نفسه خارج خريطة التأثير العالمية، بينما تُوزع كعكة التجارة الدولية على طاولات القوى التي أحسنت قراءة "لعبة المضايق".  ورغم أن أميركا وإسرائيل تظهران أنهما المتحكمتان في المنطقة من خلال الحروب والصراعات التي أشعلتاها مؤخراً في إيران والخليج والعراق ولبنان وغيره، لن يكون الشرق الأوسط الجديد لعبة في أيديهما، بل ستعيد الدول العربية ودول المنطقة تقييم ما حدث سياسياً واقتصادياً واجتماعياً للتعامل مع المتغيرات التي خلقتها الحرب، فثروات المنطقة لا تتعلق بدول المنطقة فقط، بل باتت مؤثرة عالمياً، وهو ما اكتشفه الجميع بعد اندلاع الحرب على إيران. فإما شرق أوسط جديد آمن للعرب والعالم، وإما حروب جديدة ستندلع حول النفط والغاز والمضائق والثروات العربية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية