حرب التزكيات... صراع المال والنفوذ قبل انتخابات المغرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تعيش الساحة الحزبية في المغرب على وقع سباق محموم من أجل الظفر بالتزكيات (الموافقة على الترشح) لقيادة اللوائح الانتخابية في الانتخابات التشريعية المنتظر إجراؤها في 23 سبتمبر/أيلول المقبل، في وقت يبدو فيه استقطاب أسماء قادرة على حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد البرلمانية، الهاجس الأكبر لدى قيادة الأحزاب المتنافسة في انتخابات المغرب. ومع بدء العد العكسي في سباق انتخابات المغرب والحسم في القوائم الانتخابية التي ستخوض غمار رابع انتخابات من نوعها في البلاد منذ إقرار دستور "الربيع العربي" في عام 2011، بدا لافتاً تركيز العديد من الأحزاب المغربية على استقطاب مرشحين واجتذابهم، يمتلكون قدرات تساعد على رسم الخريطة الانتخابية المقبلة، بالاعتماد على سلطة المال والجاه والمكانة الاجتماعية. وتعتبر التزكيات في انتخابات المغرب من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في الاستحقاق الانتخابي على امتداد تاريخه، بالنظر إلى كونها المفتاح المؤهِل لخوض غمار المنافسة على المقعد البرلماني، ومن المحددات التي ترسم ملامح الخريطة الانتخابية، وكذلك امتحاناً حقيقياً لتدبير الأحزاب للديمقراطية الداخلية ولإعمال مبادئ الشفافية والكفاءة، وتكافؤ الفرص. امتحان التزكيات داخل الأحزاب المغربية ولئن كانت مرحلة التزكيات داخل الأحزاب المغربية تعتبر محطة مفصلية لا تقل أهمية عن الاستحقاقات الانتخابية نفسها، إلا أنها تحوّلت في السنوات الأخيرة، إلى مصدر للارتهان إلى منطق الحسابات والولاءات، ما أدى إلى بروز صراعات حادة داخل عدد من هذه الأحزاب. في المقابل تبرز تجارب محدودة تحاول القطع مع مثل تلك الممارسات من خلال الاعتماد على مسطرة (قاعدة) أكثر شفافية، كتنظيم انتخابات داخلية لاختيار وكلاء اللوائح (الانتخابية) ورفع النتائج إلى قيادة الحزب للحسم. ويفرض القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية في المغرب، على كل حزب أن ينص في نظامه الأساسي، على مساطر دقيقة تخص منح التزكية، سواء من حيث شروط الترشح، أو الأجهزة المخوّل لها البت أو آليات الطعن الداخلي. والقانون التنظيمي، المتعلق بمجلس النواب، يحدد الشروط العامة للترشح، لكنه يترك للأحزاب سلطة تقديرية واسعة في اختيار مرشحيها، وهو ما يفتح الباب أمام تفاوتات كبيرة في الممارسة.  وفي وقت تثير طريقة اختيار المرشحين في انتخابات المغرب السابقة (2021) وآليتها إشكالات عدة، بسبب إبعاد الكفاءات الحزبية مقابل الاعتماد على شبكة العلاقات والمال، لا يخلو سباق الظفر بتزكيات الترشح للتشريعيات المقبلة في المغرب من توترات داخلية. فقد شهد حزب "التجمع الوطني للأحرار" (يقود الائتلاف الحكومي الحالي) بجهة سوس ماسة (وسط المغرب)، أحد أبرز معاقله الانتخابية، حالة غليان داخلي متصاعدة، عقب الحسم في لائحة المرشحين بسحب التزكيات من عدد من البرلمانيين الحاليين. بدوره، شهد حزب "الأصالة والمعاصرة" (ثاني أكبر الأحزاب المغربية) بتازة (شرقي البلاد) حالة من التوتر على خلفية جدل أثير حول معايير منح التزكيات، بعد الاعتماد المتزايد على أسماء خارج التنظيم وذوي الإمكانات المالية. يأتي ذلك مقابل تراجع حضور مناضلي جماعات راكموا تجربة تنظيمية وميدانية داخل الحزب و تدبيرية داخل جماعاتهم. ولم يكن حزب "الاستقلال" (ثالث أكبر حزب في المغرب) بمنأى عن هذا المشهد، إذ شهدت بعض فروعه الجهوية بدورها تجاذبات داخلية حادة، في ظل سعي قيادات تقليدية إلى الحفاظ على نفوذها، مقابل بروز طموحات جديدة داخل الحزب. في المقابل تبرز تجارب محدودة تحاول الحسم في التزكيات الممنوحة لمرشحيها من خلال تنظيم انتخابات داخلية لاختيار وكلاء اللوائح ورفع النتائج الى القيادة الوطنية، كما كان الحال بالنسبة لحزب "العدالة والتنمية" المعارض. فقد أعلنت الأمانة العامة لـ"العدالة والتنمية" (بصفتها هيئة التزكية)، أول من أمس الاثنين، عن تزكية وكلاء اللوائح بـ40 دائرة انتخابية محلية، بعد التداول والبت بالتصويت السري في لوائح المرشحين المرفوعة من طرف الجموع (الهيئات) العامة الإقليمية. وتعليقاً على انتخابات المغرب المقبلة ومعركة التزكيات، يقول رئيس المجموعة النيابية لحزب "العدالة والتنمية"، عبد الله بوانو، لـ"العربي الجديد"، إنه "للأسف الشديد، عِوض أن نتجه إلى تحقيق مصلحة الأمة والبلد والدولة وكذلك مصلحة الدائرة الانتخابية والحزب، انتقلنا إلى مستوى أدنى هو التسابق للترشح لتمثيلية في المؤسسة التشريعية". عبد الله بوانو: بتنا أمام ممارسات مشينة من قبيل بيع التزكيات وشرائها ويوضح أنه "بتنا أمام ممارسات مشينة من قبيل بيع التزكيات وشرائها، إذ تصل إلينا أخبار غير سارة من أحزاب شتى بأنه تم منح التزكية إلى مرشح بعينه بفضل المال أو لقربه من الأمين العام للحزب". وفي رأيه فقد "دخلنا في وضعية غير طبيعية من خلال انخراط المرشحين في سباق محموم للظفر بشتى الطرق بالتزكيات الانتخابية، وعرض خدماتهم على الأحزاب والتعهد بتمكين الحزب من المقعد البرلماني، وإتباع أساليب شراء الذمم، وهذا أخطر ما في الأمر". ويعتبر بوانو أن "حروب التزكيات هي مسؤولية الأحزاب بالدرجة الأولى، وأن الحديث عن التخليق، الذي تحدث عنه العاهل المغربي (محمد السادس) في الذكرى الـ60 للبرلمان (17 يناير/كانون الثاني 2024)، مرتبط بالأحزاب باعتبارها هي الجهة التي تختار النواب وتمنحهم التزكية". وبحسب بوانو، "قد يكون منطق النجاح والظفر بالمقعد حاضراً في منح التزكيات للمرشحين، لكن يتعين على الحزب إعمال النزاهة". وكان العاهل المغربي قد قال في رسالته للبرلمان في 2024، إن "أبرز التحديات التي ينبغي رفعها للسمو بالعمل البرلماني. ضرورة تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين على غيرها من الحسابات الحزبية، وتخليق الحياة البرلمانية من خلال إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها (مجلس النواب ومجلس المستشارين) تكون ذات طابع قانوني ملزم". مكاسب تصدر انتخابات المغرب من جهتها، ترى الباحثة المغربية في العلوم السياسية، شريفة لموير، أن "معظم الأحزاب السياسية تراهن على الصدارة وتبوّء المراتب الأولى التي تمنحها فرصة الانخراط في تشكيل الأغلبية الحكومية، من خلال منح تزكياتها لأشخاص يمتلكون حظوظاً أكبر بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها". شريفة لموير:  الصراعات هذه السنة بدأت مبكراً مع منح أحزاب تزكياتها لأسماء جديدة بغية استمالة الناخبين وتشير في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنه "في ظل هذه المراهنة تشتعل حرب التزكيات داخل الأحزاب، علماً أن الصراعات هذه السنة بدأت مبكراً مع الإعلان عن إسقاط مجموعة من الأسماء داخل الأحزاب السياسية عامة، ومنح تزكياتها لأسماء جديدة بغية استمالة الناخبين". وتقول لموير إن "التهافت الحاصل للظفر بتزكيات الترشح ليس من أجل المسؤولية التي تتمثل في تمثيل الساكنة وقضاياهم، بقدر ما تحوّل إلى البحث عن امتياز شخصي من خلال مجموعة من الأساليب الملتوية التي ينهجها المرشحون لنيل أصوات المواطنين بعيدا عن الإقناع والثقة". وبينما تؤكد لموير أن واقع حرب التزكيات داخل الأحزاب قبيل انتخابات المغرب يترجم بوضوح هذا المعطى، أي الامتيازات، يرى الباحث المغربي في العلوم السياسية، محمد علال الفجري، أن الصراع على التزكيات داخل الأحزاب هو "صراع طبيعي يوجد داخل جميع النظم السياسية".  محمد علال الفجري: الأحزاب لا تزال بعيدة عن الممارسة الديمقراطية، ما أثر على صورتها لدى المواطنين لكنه يستدرك في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذا الصراع "يكون مقبولاً ومفيداً للمشهد السياسي عندما يتم داخل بيئة ديمقراطية حية، أما في غياب ذلك، فإنه يتحول إلى صراع بين الحرس القديم والوافدين الجدد، وينظر إليه من الداخل، على أنه محاولات سطو على أدوات النفوذ المغلقة تلك، وليس روحاً جديدة للتغيير ولو في الحدود والهوامش التي يتيحها الدستور". ويلفت الفجري إلى أن "الأحزاب السياسية مع استثناءات محدودة، لا تزال بعيدة عن الممارسة الديمقراطية تهيمن عليها نخب سعت وتسعى إلى تكريس الوضع القائم وتبادل المنافع والريع الحزبي داخلها". ويضيف أن ذلك قد أثر "على صورتها لدى المواطنين وعلى حجم المشاركة السياسية ذاتها". أما بالنسبة إلى الناشط الحقوقي المغربي، جمال الدين ريان، الذي أعلن أخيراً، نيته الترشح في الانتخابات بدائرة إقليم شفشاون شمالي البلاد، فإن "ما نتابعه اليوم من نقاشات حادة، وأحياناً صدامات، حول مسألة التزكيات داخل الأحزاب السياسية المغربية مع اقتراب محطة 23 سبتمبر المقبل، ليس مجرد صراع على الكراسي، بل هو مؤشر على تحوّل عميق في بنية المشهد السياسي الوطني". ويضيف لـ"العربي الجديد"، أن "ما نخشاه ليس الاختلاف، بل أن تتحول حرب التزكيات إلى تصفية حسابات تضعف الجبهة الداخلية للأحزاب أمام الخصوم الحقيقيين". وفي رأيه فإن "استنزاف الطاقات في معارك جانبية قبل انطلاق الحملة الانتخابية قد يفقدنا التركيز على جوهر المعركة: تقديم حلول واقعية للمغاربة"، موضحاً أن "المواطن ينتظر منا برامج تنموية، ولا تهمه تفاصيل صراعاتنا التنظيمية حول من يترشح وأين". ويعتبر أن التزكيات في انتخابات المغرب اليوم، يجب أن تخضع إلى معايير صارمة، وهي "القرب من المواطن، والكفاءة التشريعية، والنزاهة"، موضحاً أن "الصراع الحالي هو، في الحقيقية، مخاض طبيعي لفرز من يملك مشروعاً حقيقياً ممن يملك فقط رصيداً انتخابياً جامداً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية