في عودة الأحزاب التونسية إلى السُّبات
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
حصل، بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في 2011، تحوّل جذري في المشهد الحزبي في تونس، بعد أن كان عدد الأحزاب المعترف بها لا يزيد على سبعة، تضاعف العدد بمتوالية هندسية ليجد المواطن التونسي نفسه أمام مشهد يضم أكثر من مائتي حزب سياسي معترف به. كان تشكيل الأحزاب ودمجها أو حلها أشبه بلعبة متكرّرة في المشهد السياسي التونسي في أثناء العشرية الديمقراطية، حيث كانت الخريطة الحزبية تضم فسيفساء واسعة تُعبّر عن كل القوى والجماعات الحزبية من أقصى الجماعات الدينية السلفية إلى أحزاب أقصى اليسار والمجموعات الفوضوية مرورا بالليبراليين وبقايا النظام والأحزاب العائلية. لم يكن تشكيل حزب سياسي ونيل الاعتراف الرسمي به أمراً صعباً، كان يكفي إعداد قانون أساسي للحزب، ثم إرسال الملف إلى رئاسة الحكومة والحصول على وصل الإشعار حتى يصبح الحزب قانونياً (وفقا للمرسوم عدد 87 لسنة 2011). وهكذا تكاثرت الأحزاب بما يشبه التشظي الخلوي، حيث تشابهت التوجهات والرؤى واختفت البرامج القابلة للتطبيق الفعلي في ظل انعدام الخبرة السياسية لمؤسسي الأحزاب. هكذا خضعت البلاد لحالة من التجريب الحزبي، كان يمكن أن تكون إيجابية، بوصفها مخبراً لفرز القوى وبناء أحزاب كبرى، لولا أن المسار العام للحياة السياسية انحرف نحو نوعٍ من الاستقطاب، مثّلت حركة النهضة قطباً مركزياً فيه، فيما تداولت القوى الأخرى احتلال القطب الآخر، وهو ما منع فعليا تشكل حياة حزبية سليمة، وإذا أضفنا إلى هذا حالة الاضطراب التي شابت القانون الانتخابي القائم على ما يسمّى "أكبر البقايا"، وهو ما أدّى فعلياً إلى شلل الحياة السياسية، فلا يوجد حزبٌ أو جبهة، مهما كان عدد ناخبيها، قادرة على تشكيل حكومة محدّدة الملامح، يمكن محاسبتها على سياساتها، بل طغت التحالفات بين الأحزاب البرلمانية، وبعضها عديمة التأثير في الشارع على المشهد السياسي. وما زاد المشهد تأزّماً، على الأقل في نظر المواطن العادي الذي تربى في أحضان الحزب الواحد، ما كان يشهده مجلس النواب من صراعات وصراخ، بل وتبادل للعنف أحيانا (وهو بالمناسبة ليس مشهداً غريباً عن غالبية برلمانات العالم بما فيها تلك التابعة لدول تُعرف بعراقتها الديمقراطية). خضعت البلاد بعد سقوط بن علي لحالة من التجريب الحزبي، كان يمكن أن تكون إيجابية، بوصفها مخبراً لفرز القوى وبناء أحزاب كبرى كانت حالة التجاذب الحزبي والصراع لاحتلال المواقع بين القوى المختلفة عائقاً فعليّاً أمام تجذّر الأحزاب السياسية في القاعدة الشعبية. وهذا الانفصال بين نشطاء الأحزاب والشارع انكشف بشكل واضح، بعد حل البرلمان ودخول الحياة السياسية في حالة من الجمود والارتباك. في مرحلة ما بعد "25 جويلية" (2021)، وبداية المسار السياسي للحكم الجديد، خفت صوت الأحزاب التونسية بشكل يثير الانتباه، اختار بعضها الاصطفاف خلف نظام الحكم الجديد وعبّرت عن مساندتها له ولم تخف رغبتها المشاركة في إدارة المرحلة وهو ما قابله تجاهل مطلق من السلطة الحالية. فيما اختار قسم آخر من الأحزاب التعبير عن معارضته للنظام الجديد كان قويا في البداية ثم خفت بشكل تدريجي خاصة إثر توالي المحاكمات وغياب تعاطف الشارع. في أوقات الأزمات، يتكرّر رفض ثنائية سلطة ومعارضة، حيث تصر السلطة الحالية على القيام بالدورين معا في مفارقة غريبة لم يعهدها المشهد السياسي التونسي من قبل. وتم إدانة الأحزاب السياسية، والتقليل من شأن النظام البرلماني، وتمجيد الوحدة الوطنية. في أوقات الأزمات، يوفر الارتباك والتشويش وفقدان البوصلة أرضاً خصبة لهذا النوع من الخطاب الشعبوي. مهما أفرز عمل الأحزاب من سلبيات، لا يمكن ادّعاء إمكانية التخلي عنها لهذا يمكن القول إن أزمة الأحزاب جزء من الأزمة العامة التي يشهدها العمل السياسي والجمعياتي في تونس، وانكماش الأحزاب عاملٌ مساهمٌ في تراجع الثقافة السياسية. علاوة على أن ثمة إغراء قوي للتخلّي عن النظام الحزبي برمته، مع تراجع النشاط السياسي وترسّخ فكرة أن السياسة تُمارس عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي (ما قيمة توزيع المنشورات مقارنةً بمحادثة تُبث على "يوتيوب"؟). كما نشأ قدر كبير من انعدام الثقة تجاه البيروقراطية (نزعة طبيعية للأحزاب) وآليات التفويض السياسي، فالأحزاب شكل سياسي ملتبس: إذ أسهمت في دخول الجماهير إلى معترك السياسة، وكانت أداةً للديمقراطية، لكنها ضمنت أيضاً استئثار النخب بالسلطة واحتراف السياسة، بل وقدّمت صورة غير إيجابية عن الديمقراطية بسبب نزاعاتها المتواصلة في البرلمان في أثناء العشرية الديمقراطية. حالة السبات التي تمر بها الأحزاب السياسية في تونس مؤشّر سلبي، وعلامة تراجع للوعي السياسي. ومهما أفرز عمل الأحزاب من سلبيات، لا يمكن ادّعاء إمكانية التخلي عنها، لأنها ببساطة الآلية الأهم للتحرك السياسي، وهي المجال الاجدى لتوفير الإطار المؤسّساتي المطلوب لبناء نظام ديمقراطي، شريطة أن تتحلى هذه الأحزاب نفسها بالديمقراطية داخلها، وربما كان هذا من أسباب فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، حيث تحطّم الأمل في بناء ديمقراطية فعلية، بسبب سلوك تنظيمات حزبية غير ديمقراطية في ذاتها، فضلاً عن إيمانها بالديمقراطية في الفضاء العام.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية