صور الصامدة... استعادة الحياة الطبيعية رغم خشية تجدد الحرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بين أزقة وشوارع مدينة صور التي أنهكتها الغارات الإسرائيلية، يتبادل الأهالي التهاني بالسلامة، ويصافح بعضهم بعضاً بامتنان، فيما تختلط كلمات الحمد بدموع الفقد، وسط مخاوف جدية من أن تتجدد الحرب وتتواصل الغارات والمجازر. بين الأنقاض وهدير الجرافات التي تواصل البحث عن مفقودين تحت الركام، تحاول مدينة صور أن تلتقط أنفاسها منذ مجزرة الدقائق الأخيرة من الحرب، وبدأت تستعيد نبضها، متمسكةً بالحياة التي لم تنكسر رغم الجراح. صيادون ينتظرون العودة إلى البحر، وتجار ينظفون محالهم، بينما العائلات تعيش على وقع الخوف من تجدد العدوان. وشهدت المدينة الجنوبية ليل الخميس 16 إبريل/نيسان الجاري غارة إسرائيلية استهدفت أربعة مبانٍ سكنية في حيّ الرمل المطلّ على الشاطئ، ولا تزال عمليات رفع الأنقاض مستمرة، وتعمل فرق الدفاع المدني التابعة لكشافة الرسالة الإسلامية بكامل طاقتها على رفع الركام.  يتحدث قائد الدفاع المدني علي الحاج لـ"العربي الجديد" عن همجية الاستهداف الأخير، قائلاً: "نمتلك موارد بشرية كبيرة، لكننا لم نكن قادرين على رفع أنقاض مبانٍ سُويت بالأرض، لذا استعنا بالمعدات الثقيلة من جرافات وشاحنات قدّمها أبناء المدينة للمساعدة. لا نعلم كم ستستغرق عمليات رفع الأنقاض، ولا نزال نبحث عن عشرة مفقودين. أخرجنا طفلين وعدداً من المسنين أحياء من تحت الأنقاض بعد ساعات من الغارة، إضافة إلى التعامل مع 30 جريحاً من المباني المهدمة". تقف بتول سكيكي باكيةً أمام المباني المهدمة، وتراقب عمليات رفع الأنقاض. تقول لـ"العربي الجديد": "كانت ليلة سوداء. نفّذ العدو الإسرائيلي غارتين تحذيريتين، فبدأ أولادي وأحفادي بالصراخ، ونزلنا إلى المقهى الذي يملكه زوجي، المواجه للبحر، ثم بدأت الصواريخ تتساقط. لم أستطع في البداية رؤية شيء، كنت أسمع صراخ عائلتي فقط، ولا أعرف ما إذا قُتل أحدهم، ولاحقنا عرفت أن الغارة كانت على شارع خلفنا، واستشهد جيراني. ما اختبرناه في الدقائق الأخيرة قبل وقف إطلاق النار كان صعباً، رغم أننا صمدنا طوال الحرب في صور". في الحرب الماضية جرى استهداف 55 مبنى تضم مئات الوحدات السكنية، فيما طاولت صور في هذه الحرب 20 غارة، واستهدف 20 مبنى سكنياً بدوره، يقول نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين لـ"العربي الجديد": "عاصرنا حروباً عدة، ونعلم همجية العدو. كان المواطنون في منازلهم عند وقوع الغارات الأخيرة على المدينة، والتي أدت إلى استشهاد 16 شخصاً على الأقل، فيما لا يزال لدينا مفقودون، ونعمل على رفع الأنقاض لانتشال الجثامين. عدد الجرحى الذين أُخرجوا من تحت الردم بلغ 35 جريحاً، وأصيب نحو 40 آخرين كانوا على الكورنيش البحري ينتظرون توقف الغارة للعودة إلى منازلهم، وقد عولجوا ميدانياً من دون الحاجة إلى نقلهم إلى المستشفيات". ويضيف شرف الدين: "استهداف المباني كان أقل من الحرب الماضية، وكذلك عدد الشهداء، ففي الحرب الماضية جرى استهداف 55 مبنى تضم مئات الوحدات السكنية، فيما طاولت صور في هذه الحرب 20 غارة، واستهدف 20 مبنى سكنياً، ولم نستطع حتى اليوم إحصاء عدد الوحدات السكنية المتضررة. كانت المدينة تضم نحو 17 ألف نازح من قرى قضاء صور، من بينهم 3800 نازح كانوا في مراكز الإيواء، فيما توزّع الباقون في أنحاء المدينة، وطوال الحرب، كان اتحاد بلديات صور يعمل بالتعاون مع وحدة إدارة الكوارث على تأمين مستلزمات النازحين من حصص غذائية ومواد نظافة. المخزون التمويني كان جيداً في الشهر الأول، لكن مع استمرار العدوان واستهداف جسر القاسمية، أصبحت المدينة مهددةً بسبب انقطاع خطوط الإمداد، وحالياً نستغل الهدنة لتخزين الاحتياجات، فلا أحد يعلم ما إذا كان العدوان سيتجدد". ووسط غياب شبه تام للمواطنين على الواجهة البحرية، كان ميناء صور يستعيد الحياة تدريجياً، وجلست مجموعة من صيادي المدينة قبالة الميناء، رغم أنهم مُنعوا من الإبحار لصيد السمك الذي تعتاش منه مئات العائلات، بسبب عدم صدور الإذن الأمني. يقول نائب رئيس الصيادين في صور، سامي رزق، لـ"العربي الجديد": "صيد السمك متوقف لأن الصيادين ممنوعون من التوجه إلى البحر، وقد حُدّد لنا الصيد فقط في منطقة شمالي صور. هناك ستة زوارق صيد فقط من أصل 18، ويعتاش الصيادون على المساعدات بينما يجلسون في بيوتهم منتظرين إذن السلطات الأمنية للتوجه إلى البحر. لا يمكننا الاستمرار في ظل هذا الواقع الصعب، ونتمنى أن نعود إلى عملنا قريباً، لكن القرار ليس بأيدينا، فنحن نتلقى الضربات فقط، وخلال العامين الأخيرين كنا نتعرض للمضايقات، وكان التشويش الإسرائيلي على الملاحة يمنعنا من حرية التحرك في البحر، كما استهدف العدو زورق صيد، ما أدى إلى استشهاد صياد، والله ينجّينا من الأعظم". يمتلك سامي الزقا محلاً لبيع الذهب في صور، ولم يغادر المدينة خلال الحرب، لكن عائلته التي تملك تأشيرات إقامة في بلغاريا، غادرت لبنان خوفاً من تداعيات الحرب. ويقول لـ"العربي الجديد": "كان الوضع جيداً، ولم تنقطع الكهرباء والمياه، والطعام متوفر، وهذا ما ساعدنا على الصمود. بدأت تنظيف محلي لإعادة فتحه، فصور تنهض بسرعة، وهي عصية على الموت، وخلال يومين أو ثلاثة ستعود دورة الحياة إلى طبيعتها. الكثير من التجار ينظّفون محالهم لإعادة فتحها. نحن شعب لا ينكسر، ونحب الحياة، وقد اعتدنا التأقلم بعد انتهاء الحرب، إنها غريزة البقاء". ويضيف: "صور مدينة نموذجية، وهي تحتضن المسيحيين والمسلمين، وحاراتها القديمة تحولت إلى ملاذ لسكان الواجهة البحرية وقلب المدينة كونها أكثر أماناً. لا أنكر أن بعض المواطنين لا يتحملون مآسي الحرب، فالبعض خسروا منازلهم وأرزاقهم، واستشهد أفراد من عائلاتهم. يصعب على الإنسان أن يرى تعب عمره مدمراً، وهناك خوف من تجدد العدوان. نحن الكبار نلهي أنفسنا بالصبر، لكن أولادنا لم يعتادوا على ذلك". بدورها، أمضت آيان المصري أيام الحرب في العيش على متن مركب الصيد العائد لزوجها في ميناء صور، مع طفلتها البالغة خمس سنوات، والذي تحوّل إلى منزل، وتقول لـ"العربي الجديد": "منزلنا يقع في منطقة العباسية، ولم أستطع أن أترك ابنتي تعيش تحت تهديد الغارات، فكان زورق الصيد ملجأنا، خصوصاً أننا لا نملك أموالاً لاستئجار منزل، ولا يمكنني ترك زوجي الذي طلب منا النزوح إلى صيدا، إذ لا يمكن أن أنزح للعيش في مدرسة. صحيح أن المركب يتضمن حماماً، لكنني كنت ألجأ إلى الاستحمام في منزل أقرباء لنا في الحارة المسيحية". وتتحدث المصري عن الوضع النفسي الذي يرافق ابنتها بعد ثلاث سنوات عاشتها تحت القصف، قائلة: "أعتقد أنها بحاجة إلى اختصاصية نفسية كي تتخطى الخوف الذي يتملكها. نخشى تجدد العدوان، ولا أعرف متى ستعيش طفلتي حياة طبيعية، وتعود إلى المدرسة. سأعود إلى منزلي، لكن حقيبة الطوارئ ستبقى جاهزة لأي تطور أمني". في الحرب الماضية، خسر توما عساف شقيقه في استهداف إسرائيلي لدراجته النارية على مفرق البص. ويقول لـ"العربي الجديد": "نعيش في رعب، ولا مكان نتوجه إليه، فصور هي الحياة بالنسبة لنا. احتضن أبناء المدينة بعضهم بعضاً، فالبيوت في الحارة المسيحية فتحت أبوابها للجميع، وكذلك الفنادق الصغيرة. تجدد العدوان سيكون كارثة إضافية، لا سيما أننا نعيش تحت رحمة عدو غدّار". في الحارة المسيحية القديمة من مدينة صور، كانت آية صبرا تحزم أمتعتها مع أطفالها أمام أحد الفنادق الصغيرة استعداداً للتوجه إلى منزلها. تقول لـ"العربي الجديد": "نزحت خلال حرب 2024 إلى العاصمة بيروت، لكني فضّلت هذه المرة البقاء مع أطفالي الخمسة في المدينة، والحارة المسيحية كانت الملاذ الآمن خلال فترة الحرب. لم أستطع الابتعاد عن صور مجدداً رغم أننا كنا نعيش في رعب، والأولاد سيكبرون على كره العدو الذي يحاول قتل الحياة فينا. تضرر منزلي في الحرب الماضية، وتضرر هذه المرة أيضاً، لكن لا خيارات أمامنا سوى التمسك بأرضنا وبيوتنا، حتى لو كانت مدمرة". تقول عبير إبراهيم إنها لم تستطع النزوح من صور بسبب الوضع الصحي الصعب لوالدتها المسنّة، وتوضح: "كنا نموت في اليوم الواحد مئة مرة، وكانت فترة الحرب صعبة، خصوصاً في الليلة الأخيرة، حين ارتكب العدو مجزرة". في السوق القديمة لمدينة صور، بدأت المحال التجارية تفتح أبوابها تدريجياً، ومن بينها مطعم محفوظ الشهير، وهو مقصد سياحي معروف. يملك غزوان حولاني مطحنة في السوق القديم، لم يغلقها طوال الحرب، ويقول لـ"العربي الجديد": "مدينتنا لا تنكسر، وهذا أحد أشكال المقاومة، وقد قررنا أن نفتح محالنا لدعم أهلنا الصامدين في المدينة. طوال أيام الحرب كانت نحو عشرة محال تجارية مفتوحة في السوق القديمة، وكانت تؤمّن المستلزمات الأساسية للأهالي والنازحين، خصوصاً في الحارات القديمة، بالتعاون مع البلدية. الحرب لم تتوقف بعد، وهي مستمرة منذ عام ونصف العام، وعشنا على وقع القتل الإسرائيلي اليومي". ورغم سريان وقف إطلاق النار، يكرر جيش الاحتلال الإسرائيلي خروقاته، كما يكرر توجيه الرسائل التحذيرية إلى أهالي قرى وبلدات جنوب لبنان، والتي يؤكد فيها مواصلة تمركزه بمواقعه، داعياً الأهالي إلى عدم العودة إلى مناطق جنوب نهر الليطاني حتى إشعار آخر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية