تعز مدرسة المقاومة الشعبية.. قراءة في الأدوار الميدانية وعبقرية القيادة
رسمي
منذ ساعتين
مشاركة

سبتمبر نت/ عبدالحكيم الشريحي

في لحظات تاريخية فاصلة حين ترنحت مؤسسات الدولة تحت وطأة الانقلاب وانكفأت الرايات أمام صلف المليشيا انبرت تعز لتكون هي المبتدأ والخبر في معادلة الوجود اليمني.

إذ لم تكن هذه المدينة الباسلة بمقاومتها الشعبية مجرد جبهة قتال عابرة بل كانت (المختبر الوطني) الذي أعاد صياغة مفهوم الكرامة ، حيث انصهرت في أتونها نخبة الفكر مع سواعد الشباب وهيبة الرتب العسكرية مع عنفوان الحاضنة الشعبية ، ليرسموا معا ملحمة صمود عصية على الانكسار ، مؤكدين بصريح العبارة وأزيز الطلقة أن قلب اليمن النابض لا يمكن أن يتوقف عن ضخ قيم الجمهورية وأن الدفاع عن تعز ليس دفاعا عن جغرافيا محاصرة فحسب ، بل كان ذودا عن رمزية الدولة ومشروع التنوير في وجه محاولات التجريف والهيمنة.

في هذا التقرير نُسلط الضوء على تلك العبقرية الفذة التي أدارت المعركة ميدانيا وسياسيا وكيف استطاعت قياداتها الفذة تحويل الإرادة الشعبية العفوية إلى مؤسسة عسكرية نظامية كسرت قيود المستحيل وصنعت من الرماد جيلا لا يعرف الانحناء.

1- نشأة المقاومة في تعز..(حتمية المواجهة)

لم تكن المقاومة في تعز مجرد تشكيل عسكري بل كانت استجابة شعبية عارمة لمحاولات اقتحام المدينة إذ بدأت المقاومة بجهود ذاتية ومجموعات شبابية مسلحة بأسلحة خفيفة ، قبل أن تتبلور في المجلس العسكري ومجلس المقاومة الشعبية.

الأهداف الاستراتيجية المبكرة:

– منع السقوط الكلي .. الحيلولة دون سيطرة القوات الانقلابية على المرافق الحيوية (المقرات الحكومية ، المعسكرات).

– تأمين الأحياء السكنية .. حماية المدنيين من القصف العشوائي وعمليات القنص.

– فك الحصار .. محاولة فتح ممرات آمنة لإدخال الغذاء والدواء بعد فرض حصار خانق على المدينة.

2- الأدوار الميدانية والعسكرية للمقاومة

لعبت المقاومة الشعبية أدوارا محورية غيرت موازين القوى على الأرض ويمكن تلخيصها في عدة نقاط:

أ- تحرير المربعات السكنية والمواقع السيادية
وفعلا استطاعت المقاومة في معارك شرسة تحرير مواقع استراتيجية مثل:
– جبل جرة: الذي يعد الحارس الأمامي للمدينة ومنع سقوطه المدينة من الانهيار العسكري.
– قلعة القاهرة ونادي الصقر: مواقع كانت تستخدم للقصف واعتلاها أبطال المقاومة لتأمين وسط المدينة.
– المباني الحكومية: مثل مبنى المحافظة وإدارة الأمن (في مراحل الصراع المختلفة).

ب- التصدي للزحوفات وكسر الحصار
خاضت المقاومة معارك استنزاف طويلة في الجبهات الشرقية (ثعبات ، القصر الجمهوري) والغربية (الضباب) و كان دور المقاومة في جبهة الضباب حاسما ، حيث تمكنت من فتح شريان الحياة الوحيد للمدينة (طريق هيجة العبد) الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن.
ج- الإسناد الشعبي واللوجستي
تميزت مقاومة تعز بظهير شعبي قوي ، حيث تطوعت النساء في التمريض وإعداد الطعام للمقاتلين وتحول المعلمون والطلاب إلى مرابطين في المتارس ، مما خلق حالة من التلاحم منعت العدو من اختراق الحاضنة الاجتماعية.

3- أدوار قيادات بارزة

برزت أسماء قيادية لعبت دور (بيضة القبان) في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومن أبرزهم:

•الشيخ حمود سعيد المخلافي
والذي يعتبر الرمز الشعبي الأول للمقاومة في تعز وقد تولى رئاسة المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية ومن ابرز قدراته خوض غمار المعارك ببسالة واقتدار على التخطيط وكذا الحشد القبلي والشعبي.
وقد كان منزله في حي الروضة غرفة عمليات مفتوحة ونجح في توحيد الفصائل المتعددة تحت راية واحدة في بدايات الحرب وقدم تضحيات شخصية كبيرة (منها استشهاد نجله وشقيقه).

•الفريق الركن خالد فاضل

لعب دورا جوهريا في مأسسة المقاومة وتحويلها إلى جيش نظامي وكقائد لمحور تعز عمل على دمج أفراد المقاومة الشعبية ضمن قوام الجيش الوطني (الألوية 22 ، 35 ، 17 ، 145 ، وغيرها).
كما ساهم بحنكة واقتدار في تنظيم الجبهات عسكريا ووضع الخطط الدفاعية والهجومية التي أدت الى تحرير أجزاء واسعة من الريف والمدينة.

•العميد عدنان الحمادي (رحمه الله)

قائد اللواء 35 مدرع وأول ضابط يعلن تمرد وحدته العسكرية على الانقلاب في تعز.
وقد قاد العمليات في الريف الجنوبي (الحجرية) ومنطقة المسراخ ، محافظا على العمق الاستراتيجي لتعز ومنع التفاف القوات الانقلابية على المدينة من جهة الجنوب وينسب إليه الفضل في الحفاظ على رمزية المؤسسة العسكرية.

•العقيد عبده حمود الصغير

قائد عمليات اللواء 17 مشاة ومن أبرز القادة الميدانيين وقد اشتهر بقيادة الجبهات الغربية (مقبنة ، الضباب) وكان له دور بطولي في معارك كسر الحصار الجزئي وتأمين المداخل الغربية للمدينة.

4- التحول من المقاومة إلى الجيش الوطني

من أهم أدوار قيادة المقاومة في تعز هو قرار (المأسسة) فبدلا من البقاء كمليشيات منفصلة استجابت القيادات لضغوط الضرورة الوطنية وانخرطت تحت قيادة وزارة الدفاع وفعلا تم دمج المقاتلين و ترقيم آلاف المقاومين كجنود رسميين.
كما تم تأسيس (محور تعز العسكري) ليكون المظلة القانونية لكل العمليات كما ساهمت المقاومة في إعادة تفعيل الكثير من اقسام الشرطة والبحث الجنائي لضبط الأمن الداخلي بعد التحرير.

5- التحديات والنتائج

رغم التحرير الجزئي لمدينة تعز (حوالي 80% من مساحة المدينة والمديريات المحيطة) إلا أن المقاومة واجهت تحديات جسيمة:

– شحة الإمكانيات .. نقص الدعم بالسلاح الثقيل والنوعي.

– الألغام .. زراعة آلاف الألغام في المناطق التي تم دحر الانقلابيين منها.

– الحصار المستمر .. بقاء المنافذ الرئيسية (طريق الحوبان) مغلقة ، مما ضاعف معاناة السكان.

ما يجدر التأكيد عليه أن ملحمة المقاومة الشعبية في تعز ستظل شاهدة على قدرة الإرادة المدنية حين تقرر الدفاع عن كرامتها.
لقد قدمت تعز نموذجا فريدا في التضحية، حيث لم يكن التحرير مجرد فعل عسكري، بل كان تعبيرا عن رفض مشروع الهيمنة وبفضل حكمة قياداتها وتلاحم أفرادها استطاعت المدينة أن تكسر حاجز الخوف وتظل قلعة صامدة للجمهورية حتى الان ومنها ستنطلق كتائب التحرير صوب العاصمة المختطفة صنعاء.
•فاصلة:
وبلا ريب فإن المقاومة الشعبية هي التي رممت انكسار الدولة وهي التي منحت المؤسسة العسكرية روحا جديدة وقاعدة جماهيرية صلبة.
أحد عشر عاما وما زالت البندقية تعرف وجهتها والقلوب لا تنبض إلا بتحرير كامل تراب الوطن.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية