عربي
أقرّ رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بأنّ الأزمة الاقتصادية الراهنة "ممتدة وغير واضحة الأفق"، محذراً من أنّ تداعياتها "قد تستمر حتى نهاية العام على الأقل، حتى في حال انحسار التصعيد العسكري في المنطقة"، في إشارة تعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد المصري في بيئة دولية مضطربة. وقال مدبولي، في ختام بيان مطول أمام مجلس النواب اليوم الثلاثاء، إن الحكومة أعدت سيناريوهات متعددة للتعامل مع تطورات الأزمة، مؤكداً التزامها بالتنسيق مع البرلمان والاستجابة للأدوات الرقابية، في وقت عكست فيه مداخلات النواب استمرار فجوة الثقة بشأن كلفة الإصلاحات وسرعة انعكاسها على معيشة المواطنين.
ومثُل مصطفى مدبولي أمام مجلس النواب المصري، بعد نحو شهرين من بدء دور الانعقاد، في جلسة طال انتظارها وسط مطالبات متكرّرة من النواب بضرورة حضوره لعرض سياسات الحكومة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتداعيات إقليمية حادة. وفي خطابه الذي استغرق أكثر من ساعتين، واتسم بالدفاع عن أداء الحكومة، ركز مدبولي على أنّ الاقتصاد المصري أظهر صلابة ومرونة في مواجهة صدمة خارجية وصفها بأنها من بين الأشد خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالحرب في المنطقة وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء بعد عرض مفصل لتداعيات الحرب الإقليمية على الاقتصاد، إذ أشار إلى أنّ أسعار النفط قفزت من نحو 69 دولاراً قبل الأزمة إلى مستويات لامست 120 دولاراً، مع توقعات قد تصل إلى 150–200 دولار، في ظل اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وتراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى أقل من خُمس مستوياتها الطبيعية. وأوضح مدبولي أن ذلك انعكس مباشرة على فاتورة الطاقة في مصر، إذ ارتفعت تكلفة استيراد الغاز من 560 مليون دولار شهرياً إلى نحو 1.65 مليار دولار، بزيادة تتجاوز مليار دولار شهرياً، بما دفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود وتطبيق حزمة واسعة من إجراءات ترشيد الاستهلاك.
وأشار إلى وضع إجراءات شملت تبكير إغلاق المحال التجارية، وخفض استهلاك الكهرباء، والعمل عن بعد جزئياً، وهي خطوات قال مدبولي إنها لم تكن خياراً بل ضرورة، مشيراً إلى تحقيق وفر أولي في الطاقة بلغ 18 ألف ميجاوات/ساعة و3.5 ملايين متر مكعب من الوقود خلال الأسبوع الأول من قيود الترشيد. وأوضح مدبولي أنّ الحكومة سعت إلى تخفيف أثر هذه الإجراءات عبر حزمة دعم نقدي تتجاوز 40 مليار جنيه لصالح نحو 15 مليون أسرة، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه، وزيادة مخصصات الأجور بنسبة 21% في موازنة 2026/2027، بتكلفة تقترب من 100 مليار جنيه. ومع ذلك، لم تمنع الإجراءات انتقادات نيابية ركزت على اتساع الضغوط المعيشية، إذ اعتبر عدد من النواب أنّ قرارات رفع أسعار الوقود وترشيد الكهرباء "فاقمت الأعباء على المواطنين"، مطالبين بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتسريع أثر الإصلاحات على الأسواق.
وعلى صعيد طمأنة المستثمرين، استعرض مدبولي مؤشرات الاقتصاد قبل اندلاع الأزمة، مشيراً إلى نموه بنسبة 5.3%، وتدفقات استثمار أجنبي مباشر بلغت 9.3 مليارات دولار، وارتفاع الاحتياطي النقدي إلى 52.8 مليار دولار، إلى جانب تراجع التضخم من 38% إلى 11.9% في يناير 2026. ولفت إلى تحسن تحويلات المصريين بالخارج إلى 22.1 مليار دولار بزيادة 29.6%، وارتفاع إيرادات السياحة إلى 10.2 مليار دولار، مع تراجع عجز الحساب الجاري بنسبة 13.6%. وأكد استمرار برنامج الطروحات، الذي جمع نحو 6 مليارات دولار عبر 19 صفقة استثمارية، إلى جانب خطة لخفض الدين الخارجي، الذي تراجع بالفعل بنحو 3.9 مليارات دولار منذ منتصف 2023. وكشف رئيس الوزراء عن خطة لضخ استثمارات بقيمة 3.8 تريليونات جنيه خلال العام المالي المقبل، مع استهداف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 60% من إجمالي الاستثمارات، متعهداً بتسريع التوسع في الطاقة المتجدّدة، التي بلغت قدرتها 9366 ميجاوات في 2025، مع استهداف وصولها إلى 45% من مزيج الطاقة بحلول 2028، بما يوفر نحو 7 مليارات دولار سنوياً من واردات الغاز.
وفي قطاع الطاقة التقليدية، أكد التزام الحكومة بسداد مستحقات شركات النفط الأجنبية بالكامل بحلول يونيو 2026، في محاولة لتعزيز ثقة المستثمرين وزيادة الإنتاج المحلي. ورغم العرض الذي قدمه رئيس مجلس الوزراء، أبدى نواب تحفظات على بطء انعكاس التحسن الاقتصادي على حياة المواطنين، وانتقد بعضهم تأخر الحكومة في المثول أمام البرلمان، بينما حذر آخرون من "التوسع في بيع الأصول" دون تحقيق عوائد كافية، وشكك عدد من النواب في جدوى بعض إجراءات الترشيد، مطالبين ببيانات أكثر تفصيلاً حول حجم الوفر الحقيقي وتأثيره على الموازنة. وفي حين حاول مدبولي تقديم صورة عن اقتصاد يتماسك أمام صدمة خارجية، فإنّ تباين الرواية الحكومية مع تقييمات النواب يعكس تحدياً مزدوجاً أمام الحكومة، التي أصبحت مطالبة بالحفاظ على الاستقرار المالي من جهة، واحتواء الضغوط الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. ومع إقرار الحكومة بأنّ الأزمة قد تمتد لأشهر، أشار برلمانيون إلى أن الأشهر المقبلة ستشكل اختباراً حاسماً لقدرة القاهرة على الموازنة بين الإصلاحات الاقتصادية الصعبة ومتطلبات الاستقرار الداخلي، في ظل بيئة إقليمية لا تزال مفتوحة على مزيد من التصعيد.

أخبار ذات صلة.
هل يساعد الأوريغانو في خفض ضغط الدم؟
الشرق الأوسط
منذ 20 دقيقة