عربي
في خضمّ رتابة الشدّ والجذب في غرف "الإطار التنسيقي" الشيعي (في العراق) لاختيار رئيس الوزراء المقبل، التي لم تنتهِ فصولها منذ خمسة أشهر، يأتي خبر زيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني (المفاجئة) بغداد، الأسبوع الماضي، ليثير عاصفة من الجدل والاعتراض والتهكّم، رافقه خبر غير مؤكّد عن زيارة للمبعوث الأميركي الخاص في الشرق الأوسط، توم برّاك، انتشر أيضاً في وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تؤكّده أي جهة رسمية.
في الأثناء، كانت بيانات أصدرتها كتائب حزب الله تشير إلى امتعاضها من مسارٍ سيؤدّي إلى اختيار رئيس وزراء جديد من "الفريق نفسه" الذي اختار رئيسَي مجلس النواب والجمهورية، وسط أنباء تفيد بأنّ "الإطار" حسم أمره فعلاً باختيار باسم البدري (الرئيس السابق لهيئة اجتثاث البعث) مرشّحاً لرئاسة الوزراء. وفي هذا السياق، تذهب تحليلات وتعليقات سياسية إلى أنّ "الفريق" المقصود، في بيان الكتائب، رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، ودوره في التأثير باختيار الرئاسات الثلاث، وأنّه المايسترو الخفي الذي يدير عملية ولادة التشكيلة السياسية الجديدة، وهو دورٌ تقابله المليشيات بامتعاض شديد.
هذا الحراك متعدّد الاتجاهات، ولكي يُفهم يحتاج إلى فرزٍ دقيق، ربّما من المناسب أن يبدأ من قاآني نفسه. فالرجل رافقته، خلال أيّام الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، شائعاتٌ عن استهدافه، ثم شائعات عن "العمالة" لصالح أميركا، واختفاؤه من الظهور العلني، ما عدا ظهوراً وحيداً في جنازة أحد القادة. وواضح أنّ الرجل لم يكن موضوعاً في قائمة الأهداف الأميركية - الإسرائيلية، على الرغم من أنّه يقود "فيلق القدس"، التشكيل الأكثر إثارة للجدل في قوّات الحرس الثوري الإيراني، لأنّه المتخصّص في العمليات خارج حدود إيران. ومع ذلك، يزور بغداد بحرّية ويلتقي بقادة الإطار التنسيقي والفصائل المسلّحة، ربّما استثماراً لأجواء الهدنة، أو لأنّه لم يكن هدفاً، أو رُفع من قائمة الأهداف لاحقاً، ضمن إجراءات العملية الجراحية الواسعة والخطرة التي تقوم بها الولايات المتحدة داخل الجسم الأمني والسياسي الإيراني.
كانت إدارة ترامب واضحة في أنّها تفضّل ظهور نظام جديد في إيران يلقي عن كتفيه عباءة الولي الفقيه وسياسات التدخّل الإقليمي، أو على الأقلّ، أن تُضعف "العملية الجراحية" ذلك الطرف المتشدّد في السلطة الإيرانية، وتوسّع قدرات المعتدلين الراغبين في تغيير سياسات النظام، على الأقلّ، إن لم يكن تغيير النظام بشكل كلّي ممكناً. وإن لم يحصل هذا كلّه، فإنّ نهاية الحرب، حتى مع دمار إيران وبقاء النظام المتشدّد نفسه، ستكون خسارة سياسية موجعة لأميركا.
هناك من المؤشّرات ما يؤكّد وجود صراع بين جناحَين داخل إيران؛ أحدهما ذهب إلى مفاوضات إسلام آباد، ومستمرّ حتى الساعة في التعاطي مع الإدارة الأميركية، وهو طرفٌ ليس عميلاً لأميركا ولا لإسرائيل، ولا تنقص هذه المفاوضات ورغبته في إنهاء الحرب من وطنيّته، ويشترك في عناصر عديدة مع الطرف المتشدّد، لكنّه، ضمن هذا الموقع الدقيق، هو الأقدر على إنجاز التغيير، وليست الأحلام الوردية بعودة ابن الشاه أو ظهور تيار مضادٍّ تماماً لنظام ولاية الفقيه.
يبدو أنّ قاآني ضمن هذا الطرف الذي يرأسه قاليباف (رئيس البرلمان الإيراني)، وأنّ زيارته بغداد ليست لدعم فصائل المقاومة التي كانت تستهدف المصالح الأميركية والأهداف المدنية والاقتصادية العراقية خلال الحرب أخيراً، وإنّما لثنيها عن الوقوف بوجه تمرير رئيس الوزراء الجديد الذي يُراد له أن يشغل الموقع الوسطي المعتاد بين النفوذَين الإيراني والأميركي، وأنّ أميركا لا تمانع ذلك، ما دام لا يعكس سياسات الحرس الثوري الإيراني بشكل فاقع وصريح، وما دام لن يُدرِج في حكومته المقبلة وزراءَ من المليشيات.
رافق ذلك ظهور قائمة عقوبات جديدة من وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات في فصائل مسلّحة شاركت في الحرب أخيراً، وهو ضغط جديد على هذه المليشيات، وعلى القادة السياسيين، لأخذ التحذيرات الأميركية على محمل الجدّ.
هذه التوقّعات تستند كلّها إلى فرضية أنّ الحرب الإقليمية قد انتهت، أمّا إذا تجدّدت المواجهات مرّة أخرى، فسيجري ركل معضلة رئاسة الوزراء في العراق إلى المستقبل.
