خط النفط العراقي - السوري... 74 عاماً بعيداً عن مفاتيح الذهب
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بتبسيطها وتفاؤلها المفرطين فيما يتعلق بأنبوب النفط العراقي المارّ بسورية، توزّع الأخبار والتحليلات الراهنة مفاتيح ذهبية، أشبه بذلك المفتاح الذي تلقّاه رجل سورية القوي، أديب الشيشكلي، خريف العام 1952، ليفتح به خطّ الأنابيب في نهايته عند مصبّ بانياس، وسط وعود بجلب الرفاه والانتعاش لسورية. السنوات اللاحقة أثبتت أن ذلك المفتاح وتلك الوعود لم تغنِ شيئاً عن المشروع الكبير، الذي وُلد من رحم المصالح الاستعمارية ودُفن في رمال التناقضات السياسية، ولا سيما ما نشأ منها بعد أن استلم أبناء الحزب الواحد (البعث) الحكم في كلٍّ من البلدين. ومن هنا فإن استعراض تاريخ خطوط النفط العراقي المارّة بسورية وسيرتها وصيرورتها ومستقبلها، إن كان لها من مستقبل على وضعها الراهن، إنما يبدو محاولة لاكتشاف مفاتيح الحقيقة، حتى ولو كانت من معدن أنابيب تلك الخطوط التي علاها الصدأ. كانت سورية مجرد بلد مرور لخطي طرابلس، ولم تكن الحكومة السورية تتقاضى أي رسوم عبور بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة عوائدكم مروره يعود تاريخ مرور النفط العراقي في الأراضي السورية إلى ما قبل 21 عاماً من إنشاء خط كركوك – بانياس عام 1952، حين اتفقت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا على حلٍّ ينهي الخلاف الناشب بينهما حول مسار الخط الواجب إقامته من آبار كركوك إلى ساحل المتوسط، تمهيداً لنقله إلى الأسواق الأوروبية. إذ كانت فرنسا تريد خطاً ينتهي في طرابلس ليكون في معظمه تحت هيمنتها، أما بريطانيا فاقترحت خطاً ينتهي بحيفا، ويضمن لها أن تكون المتحكّمة به من بدايته حتى نهايته. وكانت بريطانيا قد سمحت لفرنسا بتملّك حصة تقارب ربع أسهم شركة نفط العراق (IPC)، وفي نفط العراق حكماً، تعويضاً عن «ولاية الموصل» التي تخلّت باريس عنها وقبلت بنقلها إلى حوزة الانتداب البريطاني، بعد أن كانت تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو. وعلى خطورة المشروع والفوائد الكبيرة المأمولة منه، كان حلّ النزاع أشبه بما يمكن لزعيمي حيّين شعبيين أن يتوصلا إليه إذا اشتعل بينهما خلاف؛ فاتفقت بريطانيا وفرنسا، المسيطرتان على نصف أسهم «IPC»، والمحتلّتان بلاد الرافدين وإقليم بلاد الشام كاملاً، على أن تبنيا خط تصدير بفرعين: يمرّ الأول وينتهي بالأراضي التي تهيمن عليها فرنسا، والآخر يخترق الأراضي الخاضعة لبريطانيا (الأردن وفلسطين). وقد وُضع هذان الفرعان في الخدمة عام 1934، وكان قطر كلٍّ منهما 12 بوصة (إنشاً). وما هي إلا سنوات حتى أدركت «IPC» أن الفرعين لم يعودا يلبّيان غزارة الآبار العراقية وشراهة الأسواق الغربية، فشرعت في بناء خطّين موازيين لهما، بنفس المسار، ولكن هذه المرّة بقطر 16 بوصة. ولم تكد أعمال خطّي كركوك – طرابلس وكركوك – حيفا الجديدين تشارف على الانتهاء، حتى كانت إسرائيل قد أعلنت عن دولتها، فأصبح خط حيفا بفرعيه القديم والجديد مشلولاً وخارج الخدمة، إذ لم يكن للعراق أن يقبل بمرور نفطه إلى «الصهاينة»، رغم أن «IPC» كانت حينها الشركة المحتكرة لقطاع النفط العراقي استكشافاً وتنقيباً ونقلاً. حتى هذا التاريخ، كانت سورية مجرد بلد مرور لخطي طرابلس، ولم تكن الحكومة السورية تتقاضى أي رسوم عبور بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة، إذ صادر المحتلّ الفرنسي كل الصلاحيات، واعتبر أن عوائد سورية ومكافأتها على مرور الأنبوبين تتمثّل بمرورهما! وأن هذا «جميل» على دمشق أن تشكر عليه كلّاً من باريس و«IPC»، وفقاً لفحوى اتفاقية 1931 ورؤى القائمين عليها. وقد كان لسورية أن تبقى على هامش الهامش في مسألة مرور النفط العراقي من أراضيها، لولا استقلالها أولاً، وقيام إسرائيل ثانياً، وهما حدثان مفصليان، على ما بينهما من تناقضٍ في الوصف والنتيجة. فعبر الاستقلال استطاعت سورية أن تأخذ أولى خطوات المطالبة ببعض التعويض عن مرور أنبوبي طرابلس، وقد نالته في صورة مبلغ سنوي مقطوع يعادل 1.2 مليون ليرة سورية (نحو 600 ألف دولار بأسعار الصرف يومها)، وهو مبلغ زهيد جداً قياساً إلى كمية النفط المارّة عبر الأنبوبين. أما ولادة إسرائيل، التي أماتت خطّي حيفا وأخرجتهما من الخدمة كلياً، فهي التي دفعت «IPC» إلى التفكير في بديل سريع يمكن أن يكبح مسار الخسائر الناجمة عن تكاليف الإنشاء المهدورة، وتلك المتمثّلة في فوات الأرباح نتيجة الإغلاق. ولم يكن من بديل هذه المرّة سوى سورية، لتكون بلد ممرٍّ ومصبٍّ معاً. وخلال سنتين فقط، تم بناء خط كركوك – بانياس بقطر 32 بوصة (أكبر من قطري أنبوبي حيفا مجتمعين)، وبطول 888 كيلومتراً، مارّاً بمحطّات خطّي طرابلس، التي بقي الحرف الأول من اسمها (T) مقروناً بتلك المحطات الواقعة ضمن الأراضي السورية من T1 حتى T4. وكان من المفارقات – ومفارقات السياسة السورية حاضرة دوماً – أن يُبنى هذا الخط، الذي يُفترض أن يُمتّن صلة العراق بسورية، وأن يُفتتح في عهد حاكم سورية القوي أديب الشيشكلي، الذي قاد الانقلاب الثالث ضد صديقه سامي الحناوي بذريعة تقاربه مع العراق. افتتاح خط بانياس بمفتاح الذهب لم يمنحه مستقبلاً لامعاً، فإن تجمّع عوامل المنفعة لكلٍّ من العراق وسورية لم يَقِهما شرّ الأضرار التي هبّت رياحها على المشروع الاقتصادي الكبير عدا إسرائيل والعراق إذا كان هناك من مشروع يمكن أن يُتخذ نموذجاً بارزاً لدراسة التباين بين الخطط والنتائج، فإن مشروع مرور النفط العراقي في الأراضي السورية سيكون في المقدّمة، وينطبق هذا بالذات على المرحلة التي أعقبت تشغيل خط كركوك – بانياس. ففي عام 1952، تجمّع أكبر عدد من عوامل تحقيق النفع النفطي المتبادل لسورية والعراق، إذ خلال هذه السنة التي استُكمل فيها بناء خط بانياس، أصبح العراق قادراً على تصدير معظم إنتاجه عبر الأنابيب الثلاثة المارّة بسورية، وكان هذا يعني الكثير لبلدٍ كان النفط، وما زال، يمثّل 90% من صادراته منذ اكتشاف أول بئر فيه. وفي هذه السنة، استطاع العراق أن ينتزع اتفاقاً مع «IPC» يلزمها بدفع نصف أرباحها لبغداد، بعد أن كانت هذه الشركة تستأثر بتسعة أعشار الإنتاج لنفسها، وترمي فتات العُشر الأخير لأصحاب الأرض والثروة. وفي 1952 أيضاً، تمكّنت سورية من الانتقال إلى مستوى جديد من الحصول على رسوم عبور يمكن لها أن تسهم في دعم اقتصاد البلاد، إذ رُفع المبلغ السنوي المقطوع إلى 12 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل خمسة ملايين دولار يومها، وهو على أي حال مبلغ يساوي عشرة أمثال المبلغ المقطوع الذي كانت تتلقّاه دمشق قبل ذلك العام. ولكن، وكما أن افتتاح خط بانياس بمفتاح الذهب لم يمنحه مستقبلاً لامعاً، فإن تجمّع عوامل المنفعة لكلٍّ من العراق وسورية لم يَقِهما شرّ الأضرار التي هبّت رياحها على المشروع الاقتصادي الكبير، في صورة خلافات مادية، وتجاذبات سياسية، وصراعات حزبية، وحتى تصفيات حسابات شخصية. ففي عام 1955، نشب نزاع بين الحكومة السورية و«IPC»، على خلفية احتساب عائدات المرور بالطريقة الحسابية المتعارف عليها (وليس بمبدأ المبلغ المقطوع)، لكن «IPC» تنصّلت بطريقتها، ولم تُقِرّ لسورية سوى بأقل من ربع جنيه إسترليني لقاء كل طن (طن النفط يعادل وسطياً سبعة براميل). وبعد ذلك بسنة تقريباً، تعرّض خط كركوك – بانياس لأول اختبار «سلبي»، تمثّل في نسف ثلاثة أجزاء منه بأمر من عبد الحميد السراج، مدير المكتب الثاني ورجل جمال عبد الناصر قبل الوحدة وخلالها، تعبيراً عن «مناصرة» سورية لمصر في وجه العدوان الثلاثي. ورغم أن عملية العدوان الثلاثي لم تستمر أكثر من تسعة أيام، فإن خط كركوك – بانياس بقي معطّلاً كلياً، بناءً على موقف اتخذته الحكومة السورية يومها، يقضي ألّا عودة للخط حتى تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العدوان. وبالفعل، لم تُعطِ الحكومة السورية أوامرها – عبر رئيسها صبري العسلي – بإصلاح الأجزاء المتضرّرة ومحطّات الضخ، إلا في 11 مارس/آذار 1957، أي بعد مرور أربعة أشهر وأربعة أيام على نهاية العدوان، ما كبّد العراق خسائر مؤثّرة. لكن أعتى الرياح التي عصفت بخط بانياس، بل وبخطي طرابلس معه، كانت بعد وصول البعثيين إلى سدّة الحكم في كلٍّ من العراق وسورية، اللذين قادا انقلابيهما بفارق شهر (8 فبراير/شباط و8 آذار/مارس) من عام 1963. ولم تؤدّ هذه الرياح في نهايتها إلى قطع خطوط النفط العراقي المارّة من سورية فقط، بل إلى قطيعة مسمومة بين البلدين، ولعلّ أفظع مثال عليها ما كان يقرأه السوريون مدوّناً على جوازات سفرهم: «يُسمح لحامله بالسفر لجميع البلدان عدا إسرائيل والعراق». ورغم حدّة الخلاف العراقي – السوري، لم تكن عواقبه بتلك الدرجة من الفداحة لو أنها بقيت مقتصرة على نزاع يخص أنابيب النفط، لا صراعاً تُستخدم فيه تلك الأنابيب سلاحاً. ولعلّ أكثر المحطات التي استعرّ فيها الخلاف حول خطوط النفط العراقي المارّة بسورية، تجسّد في وقائع أعوام 1966، و1973، وأخيراً 1982. ففي عام 1966، وبينما كان البعثيون في سورية قد فرغوا من دورة جديدة لحملة تصفيات جسدية ومعنوية بحق بعضهم، أزاحت معسكراً لصالح معسكر، قرّر المعسكر «الرابح» فتح جبهة مع العراق من بوابة أنابيبه العابرة، ولا سيما أن العراق كان في صلب تلك الحملات، التي ستتحوّل إلى «مكارثية» ثابتة على كلتا الضفتين، تجسّدها تهم الولاء لبعث العراق في سورية، ولبعث سورية في العراق. وقد قطعت سورية يومها الطريق على ضخ النفط العراقي نحو 80 يوماً، تكبّد خلالها العراق خسائر فادحة، رغم كمّ التصريحات الودّية والأخوية التي أُطلقت من الجانبين. نموذج الحصان كانت مطالب دمشق خلال تلك الأزمة متعلّقة بالحصول على حقوقها العادلة من رسوم مرور وتحميل النفط العراقي، وهو ما أقرّت به بغداد أيضاً، كما أقرّت مع دمشق بأن المشكلة بالأساس هي مع «IPC»، وليس للعراق ولا لشعبه علاقة بها، وأنها لا تستهدف ثروة العراق ولا رخاءه. ولكن كلّ ذلك لم يمنع إحداث شرخ إضافي في علاقة البلدين، ولا سيما أن هذا الانقطاع رتّب على بغداد أعباء مالية ثقيلة، جعلتها تستدين في سبيل تسديد رواتب موظفيها. وإن كان من «حسنة» لأزمة 1966، غير انتزاع سورية زيادة في رسوم المرور والتحميل من براثن «IPC»، فإن تلك الحسنة تكمن في تنبيه العراق إلى حيوية تأميم القطاع النفطي، وحثّه على تسريع هذا الاستحقاق، الذي سيغدو ناجزاً بعد ست سنوات لا أكثر. وبعد عام من تأميم قطاعه النفطي بنسبة 100%، عاد العراق ليواجه مطالب سورية برفع رسوم العبور، وقد تمت مضاعفة تلك الرسوم بموجب اتفاق أقرّه الطرفان عام 1973، بعد أن تبادلا ما يكفي من تلاوم واتهامات متبادلة بليّ الذراع. وكان هذا الاتفاق على رفع الرسوم على مشارف حرب تشرين، التي حال وقوعها دون شقاق جديد، إذ وجد البلدان نفسيهما في «خندق واحد»، ولو إلى حين. ثم مرّت سبع سنوات ماجت بها العلاقات صعوداً وهبوطاً بشكل حدّي، حتى جاء طوفان الحرب مع إيران، فوضع كلّ نظامٍ بلاده تحت قدميه خشية أن يغرق هو! ولم يكن الأنبوب النفطي، وهو معلم اقتصادي استثنائي في خريطة «القطرين»، استثناءً، فأُجهز عليه بقرار الإغلاق الكلي من حافظ الأسد في أبريل/نيسان 1982، وما زال سارياً، خلا فترة سنتين ونيّف ضُخّ فيها النفط داخل الأنبوب على استحياء. وقد جاء إغلاق أنبوب بانياس (مع الأنبوبين المتّجهين إلى طرابلس)، إلى جانب تبعات الحرب، ليثخن جراح بغداد الاقتصادية، إذ هوت عائدات النفط من 26 مليار دولار عام 1980 إلى 9 مليارات عام 1982، في وقت كانت البلاد في أشدّ ما تكون حاجةً إلى المال لتمويل حربها وإطعام شعبها. وحسابياً، يبلغ عمر الأنبوب الممتد من كركوك العراقية إلى بانياس السورية 74 عاماً. وعملياً، لم يُعمّر هذا الخط سوى ثلاثة عقود، فيما بقي خارج الخدمة، وحتى الصيانة، 42 عاماً. ولنا أن نتخيّل، بمقارنة سريعة بين العمرين النظري والحقيقي، حجم الخسائر وفوات الأرباح التي لحقت بالبلدين. وقد بقي الأنبوب نهباً للصدأ، رغم كل محاولات إحيائه التي أعقبت الإطاحة بنظام صدّام حسين، وسبقت إسقاط نظام بشار الأسد، وتجلّت في تصريحات وتفاهمات أعوام 2007 و2009 و2010 و2023، حيث تجمّعت جملة عوائق سياسية، وتمويلية، وتقنية، وأمنية، لم يكن للأقوال والأمنيات أن تتغلّب عليها. واليوم، ومع التصريحات واللقاءات التي حملتها سنة 2025، وأنعشتها في 2026 إيماءة من واشنطن عن تفعيل محور العراق – سورية النفطي بديلاً عن مضيق هرمز، لا تبدو العوائق أقل، ولا سيما من ناحية التمويل والتنفيذ. فالدول قد تعطي الموافقات وتصدر القرارات، لكن الشركات الكبرى لا تُقدم إلا عندما يكون الاستثمار مجدياً، فما بالك وهو محفوف بالمخاطر. إنها، باختصار، قصة الحصان الذي يمكن أن تجرّه إلى البركة، لكنك لن تفلح إطلاقاً في إجباره على الشرب منها إن لم يُرِد. لقد تخطّى عمر خط كركوك – بانياس العمر الافتراضي لأي أنبوب في شروط الصيانة والتعمير المثالية، كما أن قطره، الذي كان ضخماً يوم إنشائه، يبدو مجرّد رقم متواضع أمام أي أنبوب يُفترض به أن يلبّي جزءاً من إنتاج العراق الحالي وحاجة الأسواق الفعلية في آنٍ معاً. وسيبدو إنفاق ملايين الدولارات على إصلاحه عملاً شبيهاً بإصلاح ساعة لتعطينا التوقيت قبل عقدين أو ثلاثة، رغم أنها تسير كما ينبغي في نظرنا. كلفة أنبوب بانياس وملحقاته بلغت 41 مليون جنيه إسترليني، وهي اليوم تعادل نحو 1.5 مليار جنيه، بحسابات أسعار التضخّم، التي لا تبدو فعّالة كثيراً إذا ما علمنا أن أي سيناريو متفائل لإنشاء خط جديد، مؤهّل لنقل 1.5 مليون برميل يومياً مع جميع منشآته الملحقة، يمكن أن يناهز ثمانية مليارات دولار، هذا إذا ما نحّينا عبء المخاطر الأمنية، التي ترتّب تكاليف أعلى في ميدان التأمين على المشروع وحراسته. تهاوي "المجلس الاستراتيجي" لم يستغرق سوى أقل من يوم، فيما استغرق تفسّخ "ميثاق العمل القومي" نحو تسعة أشهر الميثاق والمجلس لقد آل أنبوب النفط العراقي المارّ بسورية إلى مصير مؤسف، وربما يؤول أي مشروع مشابه إلى المصير نفسه، لأن الأنبوب الذي بُني ليكون مشروعاً اقتصادياً، عومل طوال الوقت بصفته مشروعاً سياسياً، وبقي ذلك التعاطي ثابتاً على اختلاف الظروف والأنظمة، أملى عليّ أن أُنوّه بمحطّتين سياسيتين بلغهما "التقارب" العراقي – السوري أوجه، وأن أسمح لنفسي برواية تجربة شخصية قصيرة. ففي يوم 18 أغسطس/ آب 2009، كنت في مكتبي في الصحيفة بدمشق، عندما بلغنا خبر إنشاء "المجلس الاستراتيجي عالي المستوى" بين سورية والعراق، إثر توافق بين رئيس الحكومة العراقية حينه نوري المالكي وبشار الأسد. يومها علّقت، وسط دهشة الحاضرين، بعبارة "الله يستر". ولمّا سُئلت عن سبب هذا الحكم الحادّ والسريع، كانت إجابتي مستندة إلى أن أقسى دركات التدابر والتناحر بين سورية والعراق إنما انحدرنا إليها بعد بلوغ أعلى درجات التقارب، عقب توقيع ميثاق العمل القومي في خريف 1978، حيث تدهورت العلاقات بعد "الميثاق" إلى نقطة اللاعودة. ولم يمضِ على ما نطقت به إلا ساعات، حتى كانت بغداد تغرق في الدم نتيجة سلسلة تفجيرات أوقعت نحو مئة قتيل، وشنّ معها المالكي أشرس هجوم على سورية، واتهمها بالتورّط عبر إيواء "الإرهابيين" والتساهل في تسليمهم. وتبيّن لمن سألوني، ولي أيضاً، أن ما كان إيغالاً في التشاؤم يوم الثلاثاء، غدا إفراطاً في التفاؤل يوم الأربعاء، ذلك أن تهاوي "المجلس الاستراتيجي" لم يستغرق سوى أقل من يوم، فيما استغرق تفسّخ "ميثاق العمل القومي" نحو تسعة أشهر، رغم أن بيان إنشاء المجلس كان أكثر تفصيلاً وطولاً، وإيحاءً بالجدّية. *سلّم الأميرال البريطاني أندرو كننغهام مفتاحين من الذهب إلى كلٍّ من الشيشكلي وواجهته في الحكم، رئيس الدولة فوزي سلو، من أجل أن يفتحا أنبوب النفط عند نهايته في مصبّ بانياس. وقد عُرف كننغهام بلقب ABC، وشغل مهام حيوية للغاية في المجالين العسكري والسياسي، كثّفتها لقطة مؤتمر يالطا الشهير، الذي رسم معالم النظام العالمي الجديد، وجمع بين روزفلت وستالين وتشرشل، حيث ظهر كننغهام خلف تشرشل مباشرة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية