عربي
تحت أضواء حادّة، وعلى سرير بارد تحيط به وجوه متعبة وملامح مستعجلة، تبدأ حكاية ولادة سمر محفوظ، حكاية لا تشبه تلك التي تروى عن الفرح بمولود قادم، هنا في المشافي السورية العامة، حيث يتداخل في تلك الغرفة الضيقة صرير الأجهزة مع أنفاس متقطعة، وتتعالى الأوامر السريعة بلغة جافة لا تحتمل التفسير، فيما تغيب الكلمات التي قد تمنح شيئاً من الطمأنينة.
تحاول سمر أن تلتقط ما يجري حولها، أن تفهم تسلسل اللحظات، لكن كل شيء يبدو أسرع من قدرتها على الاستيعاب، وجوه تدخل وتخرج من دون مقدّمات، وأيدٍ تتحرّك فوق جسدها من دون استئذان، وستارة بالكاد تفصلها عن أعين الآخرين. لا يكون الألم في تلك اللحظة مجرّد إحساس جسدي، بل يتحوّل إلى تجربة مربكة تختلط فيها المخاوف ويغيب فيها الشعور بالأمان، لتجد نفسها محاصرة بين رغبتها في الصراخ، وحاجتها لأن يفهمها أحد، لا أحد يشرح، لا أحد يهدئ، وكأن ما تمر به أمر اعتيادي لا يستدعي التوقف، هناك، حيث يفترض أن تولد الحياة في أكثر صورها إنسانية، تتسلل تفاصيل قاسية، صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة لدرجة أنها تترك أثراً عميقاً لا يمحى بسهولة.
في تلك اللحظة تحديداً، لم تكن سمر تواجه المخاض وحده، بل كانت تخوض تجربة كاملة من فقدان السيطرة حيث يتحوّل الجسد إلى ساحة إجراءات، وتتحوّل الولادة من حدث شخصي عميق إلى مشهد بارد يخلو من الاحتواء. ومع كل دقيقة تمر كانت تدرك أن هذه البداية لن تروى كما ينبغي، بل ستبقى ذكرى مثقلة بندوب لا ترى، لكنها تحس بها في كل مرة تستعاد فيها الحكاية.
لا تقتصر معاناة النساء في عدة مشاف عامة في سورية على آلام المخاض، بل تتجاوزها إلى ممارساتٍ تصنف ضمن ما يمكن تسميته "العنف التوليدي"، وهو جملة من انتهاكات جسدية ونفسية تتعرّض لها النساء خلال الحمل والولادة، وبينما تتداول النساء هذه القصص همساً، يبقى الاعتراف الرسمي محدوداً، وآليات المحاسبة غائبة.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية "العنف التوليدي" بأنه إحدى المشكلات الصحية العمومية الناجمة عن استخدام القوة البدنية عن قصد، سواء عبر التهديد أو الإيذاء الفعلي الموجّه ضد شخص آخر أو ضد مجموعة أو مجتمع. وقد يؤدّي هذا العنف، أو يحتمل أن يؤدي إلى الإصابة أو الوفاة أو الضرر النفسي أو سوء النمو أو الحرمان. وأضحت هذه الظاهرة من أبرز المشكلات الصحية راهناً، إذ لا يوجد بلد أو مجتمع في منأى عنها.
وبحسب المنظمة نفسها، يحمل الإهمال في أثناء الولادة عواقب وخيمة غالباً ما تصل إلى حد التهديد للحياة، وتستدعي تدخلاً طبياً. وفي سورية، يؤدّي لجوء النساء إلى الصمت والسكوت، إما بسبب الجهل الطبي أو القانوني، أو لانعدام الدعم المجتمعي، أو نتيجة المعلومات المغلوطة، إلى بقاء هذه الظاهرة المهددة للحياة خارج دائرة الضوء.
لم يكن هناك أي احترام لخصوصيتي، كان يدخل ويخرج أكثر من شخص إلى الغرفة من دون استئذان، وحتى في أثناء الفحص كنت مكشوفة أمام عدة أشخاص
عالمياً، تتعرّض النساء لأشكال متعدّدة من عنف الولادة، تراوح بين ما يرتبط بالجانب النفسي وما يصنف ضمن الأخطاء الطبية، وقد تختلف التسميات، لكن العواقب واحدة وتندرج جميعها تحت مسمى "العنف التوليدي"، الذي يظل بمنأى عن التغطية القانونية، لا سيما في السنوات الأخيرة.
تقول سمر، وهي أم لطفلين، وتتحدر من ريف حلب: "لم تكن تجربتي الأولى في الولادة مجرّد ذكرى مؤلمة عابرة، بل تحولت إلى عبء نفسي ما زال يلازمني، فحين دخلت إلى غرفة الولادة باحثة عن حد أدنى من الطمأنينة، أو حتى كلمات تشرح لي ما الذي أمرّ به، وجدتُ نفسي في بيئة يغيب عنها التواصل الإنساني، وأن طلبي البسيط بفهم ما يجري قوبل بالصراخ أو التجاهل، ما جعلني أشعر بالتهميش وكأن وجودي لا يتعدّى كونه حالة طبية يجب التعامل معها بسرعة".
وتلفت إلى أن الساعات التي سبقت الولادة كانت من أصعب ما مرّت به في حياتها، إذ تركت لفترات طويلة من دون متابعة حقيقية، في غياب التوضيح أو الدعم، الأمر الذي زاد من شعورها بالخوف والارتباك، بينما جاء التدخل الطبي بشكل مفاجئ ومن دون تمهيد أو شرح، ما عمّق إحساسها بفقدان السيطرة على جسدها وعلى مجريات ما يحدث حولها.
وتبين سمر أن ما آلمها لم يكن فقط الألم الجسدي المرتبط بالولادة، بل الطريقة التي عوملت بها في تلك اللحظات الحساسة، حيث شعرت بأن كرامتها لم تؤخذ بالاعتبار، وبأنها تُركت لتواجه تجربتها من دون أي احتواء نفسي، مؤكدة أن هذه التجربة أثرت لاحقاً على نظرتها إلى الولادة، وجعلتها أكثر قلقاً وخوفاً عند تكرارها، هي ليست تجربتها وحدها، بل تشاركت بها معها نساء كثيرات في محيطها، لكنهن يفضلن الصمت.
وتسرد هبة مطر، وهي شابة في العشرينيات، تجربتها بمرارة وتقول لـ"سورية الجديدة": "ما تعرّضت له خلال الولادة الأولى لي لم يكن مجرد إهمال، بل سلسلة من المواقف المهينة، كنتُ في حالة ألم شديد. ومع ذلك سمعت تعليقات ساخرة من بعض الكادر، كأنني أبالغ أو أفتعل الضجيج، تلك الكلمات تركت أثراً نفسياً لا يقلّ قسوة عن الألم الجسدي بحد ذاته".
وتتابع: "لم يكن هناك أي احترام لخصوصيتي، كان يدخل ويخرج أكثر من شخص إلى الغرفة من دون استئذان، وحتى في أثناء الفحص كنت مكشوفة أمام عدة أشخاص، من دون أن يشرح لي أحد ما يجري أو لماذا، شعرتُ في تلك اللحظات بانعدام الأمان، وأنني فقدت السيطرة على جسدي وحقّي في اتخاذ القرار".
وتضيف هبة أن التجربة لم تقف عند هذا الحد، بل امتدّت إلى ما بعد الولادة قائلة: "بعدما أنجبت، تُركت ساعاتٍ من دون متابعة حقيقية، وكنت أشعر بإرهاق شديد من دون أن يسألني أحد عن حالتي أو يطمئن علي، ولم أتلقّ أي دعم نفسي أو إرشاد حول ما يجب فعله بعد الولادة، سواء لي أو لمولودي الأول". تصمت قليلاً، لتتابع "هذه التجربة جعلتني أخاف من تكرارها، وأفكر كثيراً قبل أن أقرّر الإنجاب مرّة أخرى، ما حدث لا يجب أن تمرّ به أي امرأة، خصوصاً في لحظة يفترض أن تكون من أهم لحظات حياتها".
وتروي علياء نصري، وهي أم لثلاثة أطفال من مدينة إدلب، تفاصيل تجربة وصفتها بالصادمة، حيث كشفت جانباً أكثر قسوة من تجربتها داخل مشفى الأمومة، وتقول: "في لحظة اشتداد الطلق، لم يكن هناك من يرافقني أو يتابع حالتي، اضطررت للذهاب إلى دورة المياه، وهناك أنجبت طفلي وحدي، لم أتخيل يوماً أن أضع مولودي بهذا الشكل من دون أي إشراف طبي أو مساعدة، كان هذا مرعباً بكل معنى الكلمة"، وتؤكد أن ما حدث ترك لديها صدمة عميقة، ليس فقط بسبب الخطر الذي تعرّضت له هي وطفلها، بل بسبب شعورها بالإهمال والتخلي، "الولادة يجب أن تكون لحظة دعم واهتمام، لا أن تترك المرأة فيها وحدها من دون رعاية أو حتى كلمة تطمئنها".
تعكس الشهادات، نمطاً متكرّراً من الانتهاكات، فالعنف التوليدي لا يقتصر على الإهمال، بل يشمل أيضاً غياب الموافقة المستنيرة، والتدخلات غير الضرورية، وانعدام الدعم النفسي
ولا تقف أشكال العنف التوليدي عند حدود الإهمال أو غياب الخصوصية، بل تمتدّ في بعض الحالات إلى تدخلات طبية تجرى بطريقة قاسية من دون تمهيد أو موافقة واضحة، ما يحول لحظة العلاج إلى تجربة صادمة، وفي غياب التواصل بين الكادر الطبي والنساء، تجد مريضاتٌ أنفسهن عرضة لإجراءات مؤلمة تنفذ بشكل مفاجئ، ومن دون مراعاة أبسط معايير الرعاية الإنسانية.
وفي هذا السياق، قالت أمينة خالد (في الثلاثينيات)، إنها تعرّضت لإجراء شق جراحي في أثناء الولادة من دون تخدير كافٍ أو شرح مسبق، "فجأة شعرتُ بألم حاد جداً، لم أفهم في البداية ما الذي يحدث، ثم أدركت أنهم بدأوا الجراحة من دون أن يخبروني أو ينتظروا تأثير أي تخدير، كنت أصرخ من شدة الألم، لكن أحداً لم يهتم، بل طلب مني أن أتحمّل وحسب، وأن هذا طبيعي". وتوضح أن الصدمة لم تكن فقط من الإجراء نفسه، بل من الطريقة التي تم بها، من دون استئذان أو مراعاة لحالتها النفسية والجسدية.
وتتابع أمينة: "حتى بعد انتهاء الولادة، بقي الألم يلاحقني، ليس فقط جسدياً، بل نفسياً أيضاً شعرت بأنني تعرّضت لانتهاك، وأن جسدي لم يكن ملكي في تلك اللحظة، ربما لو شرحوا لي الوضع مسبقاً كنت سأتفهم، لكن أن يتم هذا بهذه الطريقة، فأمر لا يمكن تقبله".
وتعكس هذه الشهادات، وإن بدت فردية، نمطاً متكرّراً من الانتهاكات، فالعنف التوليدي لا يقتصر على الإهمال، بل يشمل أيضاً غياب الموافقة المستنيرة، والتدخلات غير الضرورية، وانعدام الدعم النفسي، وفق ما توضحه المرشدة النفسية راما عثمان، وتقول: "ما تتعرض له النساء خلال الولادة في مثل هذه الظروف لا يمكن اعتباره مجرد ضغط عابر، بل هو خبرة صادمة قد تترك آثاراً طويلة الأمد، وأن غياب الشعور بالأمان، والتعرض للإهانة أو الألم من دون تفسير، يضع المرأة في حالة من العجز وفقدان السيطرة، وهي من أبرز العوامل التي تسهم في تشكل الصدمة النفسية". وتلفت عثمان إلى أن كثيرات من النساء اللواتي مررن بتجارب مشابهة يظهرن لاحقاً أعراضاً مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، مثل القلق المستمر، ونوبات الخوف، وتجنب الحديث عن تجربة الولادة أو تكرارها، وبعضهن يعانين من صعوبة في الارتباط العاطفي مع المولود في الأيام الأولى، نتيجة التوتر الشديد الذي رافق لحظة الولادة. وتضيف أن طريقة تعامل الكادر الطبي تلعب دوراً محورياً في تشكيل تجربة المرأة، حتى في ظل الإمكانات المحدودة، فالكلمات الداعمة، وشرح الإجراءات، واحترام الخصوصية، يمكن أن تخفف بشكل كبير الأثر النفسي، وتشعر المرأة بأنها شريكة في ما يحدث، لا مجرّد متلقية له وفق تعبيرها.
وتؤكّد المرشدة أن تجاهل هذه الأبعاد النفسية يؤدّي إلى تراكم آثار سلبية على المدى البعيد، ليس فقط على النساء، بل أيضاً على الأسرة ككل، داعية إلى إدماج الدعم النفسي ضمن خدمات الرعاية الصحية، خصوصاً في أقسام الولادة، وتدريب الكوادر على التعامل مع الحالات الحساسة بوعي وإنسانية.
ورغم قسوة هذه التجارب، تلتزم نساءٌ كثيرات الصمت، ولا يتقدمن بشكاوى رسمية، وهو ما تفسره المرشدة النفسية بجملة من العوامل المتداخلة، أبرزها الخوف من العواقب، حيث تخشى بعض النساء من سوء المعاملة في حال احتجن إلى مراجعة المشفى مجدداً، أو من تعرّضهن للتجاهل في المرات المقبلة، كما أن هناك عاملاً اجتماعياً لا يقل تأثيراً، يتمثل في تطبيع هذه الممارسات، إذ تعتبر بعض النساء ما جرى "أمراً طبيعيّاً" في سياق الولادة، خصوصاً عندما تتكرّر الروايات المشابهة في محيطهن، ما يضعف الدافع للاعتراض أو المطالبة بالحقوق، تُضاف إلى ذلك النظرة المجتمعية التي تلعب دوراً في ثني النساء عن الحديث خوفاً من اللوم أو التقليل من معاناتهن.
الاحترام لا يحتاج إلى موارد، بل إلى وعي وتدريب، يمكن للطبيب أو القابلة أن يشرحا للمريضة ما يحدث خلال ثوان، وهذا يحدث فرقاً كبيراً
وتلفت إلى أن الجهل بالحقوق الصحية يشكل عائقاً إضافياً، حيث لا تدرك نساءٌ كثيراتٌ أن لهن الحق في الموافقة المسبقة، والخصوصية، والمعاملة الكريمة، ما يجعلهن غير قادراتٍ على توصيف ما تعرّضن له باعتباره انتهاكاً يستوجب الشكوى، وتشير إلى أن الحالة النفسية بعد الولادة بما تتضمنه من إرهاق جسدي وتقلبات عاطفية قد تدفع المرأة إلى التركيز على التعافي ورعاية المولود بدلاً من الدخول في مسار شكوى قد يكون معقداً وطويلاً. وتؤكد عثمان أن غياب قنوات واضحة وآمنة لتقديم الشكاوى، أو انعدام الثقة بجدوى هذه الإجراءات، يعززان هذا الصمت ويجعلان من العنف التوليدي ظاهرة مستمرّة من دون مساءلة.
من جهة أخرى، يقر عاملون في القطاع الصحي بوجود تحدّيات كبيرة، وقالت ممرضة في أحد المشافي العامة، فضلت عدم ذكر اسمها: "نعمل في ظروف صعبة جداً، عدد المرضى يفوق قدرتنا، والمعدات محدودة، أحياناً نضطر لاتخاذ قرارات سريعة دون شرح كاف، والضغط المستمر قد يؤدي إلى فقدان التعاطف، رغم النية في تقديم الأفضل". لكن مختصّين يرون أن هذه الظروف لا تبرّر انتهاك كرامة النساء، هذا ما توضحه القابلة القانونية رهف بكور بقولها: "الاحترام لا يحتاج إلى موارد، بل إلى وعي وتدريب، يمكن للطبيب أو القابلة أن يشرحا للمريضة ما يحدث خلال ثوان، وهذا يحدث فرقاً كبيراً".
وفي ظل غياب سياسات واضحة للتعامل مع هذه الظاهرة، تدعو القابلة بكور إلى إدماج مفهوم العنف التوليدي ضمن الخطط الصحية، وتفعيل آليات الشكوى، وتدريب الكوادر على التواصل الإنساني، وضمان الخصوصية، وتوفير بيئة آمنة تحترم كرامة المرأة.
وتدعو رئيسة شعبة الصحة الإنجابية في مديرية صحة محافظة إدلب، شمال غربي سورية، بتول الخضر لاتخاذ "خطوات عملية من قبل النساء اللواتي يتعرضن لأي انتهاكات، أهمها تقديم الشكوى إلى إدارة المستشفى أو إلى الجهات المعنية، مثل وزارة الصحة أو المنظمات الإنسانية، والتبليغ عن حالات العنف ومحاسبة المسؤولين عن العنف"، وتتابع: "لا بد من اتخاذ خطوات نحو حلول مستدامة، كتدريب العاملين الصحيين على كيفية التعامل مع النساء الحوامل والولّادات باحترام وكرامة، وتشجيع النساء على الإبلاغ عن أي انتهاكات يتعرضن لها دون خوف من العقاب، وتعزيز الرقابة على المشافي والمراكز الصحية لضمان الالتزام بمعايير الرعاية الصحية الجيدة، ونشر الوعي حول حقوق النساء في الرعاية الصحية الجيدة، والاحترام خلال الولادة من أهم ما يمكن القيام به لمنع تلك الانتهاكات".

أخبار ذات صلة.
مان سيتي سيخوض 3 مباريات قوية في 7 أيام
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة