عربي
حذر بنك التسويات الدولية من أن التوسع المتسارع في استخدام العملات الرقمية المستقرة المقومة بالدولار في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة الدولرة في اقتصادات الأسواق الناشئة، مع تداعيات مباشرة على فعالية السياسات النقدية واستقرار الأسواق المالية. وقال المدير العام للبنك بابلو هيرنانديز دي كوس، خلال مؤتمر دولي للبنوك المركزية في اليابان، أمس الاثنين، إن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تنسيقا دوليا بالغ الأهمية، محذرا من أن غياب إطار تنظيمي موحد قد يؤدي إلى تفتت حاد في النظام المالي العالمي. وأوضح أن العملات المستقرة، المرتبطة غالبا بالدولار بنسبة واحد إلى واحد، باتت تستخدم بشكل متزايد في تسوية المدفوعات عبر الحدود، مستفيدة من سرعتها وانخفاض تكلفتها مقارنة بالقنوات المصرفية التقليدية، إلا أن هذا الانتشار يحد من قدرة البنوك المركزية على التحكم في السيولة وأسعار الفائدة. وأضاف أن هذه العملات قد تقوض السياسات النقدية والمالية، وتسبب ضغوطا في الأسواق، وتعرقل جهود مكافحة التمويل غير المشروع.
وأشار دي كوس إلى أن اختلاف الأطر التنظيمية بين الدول يفتح المجال أمام ما وصفه بـ"التحكيم التنظيمي"، حيث تتجه الشركات إلى العمل في البيئات الأقل تشددا، وهو ما يزيد من المخاطر النظامية. كما حذر من أن "حالات السحب الجماعي" من العملات المستقرة قد تؤدي إلى اضطرابات مالية، ما لم تتوفر آليات حماية مثل التأمين على الأصول أو الوصول إلى تسهيلات البنوك المركزية. وقال دي كوس، إن العملات المستقرة الكبرى، مثل الصادرة عن شركات عالمية رئيسية، تظهر خصائص تجعلها أقرب إلى الأوراق المالية منها إلى النقود، نتيجة وجود قيود في عمليات الاسترداد تؤدي إلى انحرافها عن قيمتها الاسمية. وأضاف أنها تعمل حاليا بشكل أقرب إلى صناديق متداولة في الأسواق منها إلى نقود تقليدية.
العملات المستقرة تعزز مخاوف الدولرة الرقمية
من جانبه، قال محافظ بنك إنكلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي، أندرو بيلي، إن التركيز ينصب على مدى تحول هذه العملات إلى بديل فعلي للعملات المحلية، مشيرا إلى تباطؤ التقدم في وضع قواعد تنظيمية دولية لها. وجاء النمو السريع للعملات المستقرة مدفوعا بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأصول الرقمية، وهو ما ساهم في إقرار تشريع يهدف إلى إدماج هذا القطاع ضمن الإطار التنظيمي المالي، وتشير التقديرات إلى أن نحو 98% من سوق العملات المستقرة العالمية، البالغة قيمتها نحو 315 مليار دولار، مقومة بالدولار، ما يعزز المخاوف من اتساع نطاق الدولرة الرقمية على مستوى العالم.
والسبت الماضي، دعا وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، خلال مؤتمر للعملات الرقمية في باريس، البنوك في الاتحاد الأوروبي إلى تسريع إطلاق عملات مستقرة مقومة باليورو، في محاولة لمواجهة الهيمنة المتزايدة للدولار في سوق المدفوعات الرقمية. ووصف ليسكور النقص الحالي في العملات المستقرة المرتبطة باليورو بأنه غير مرض، داعيا القطاع المصرفي إلى تكثيف الجهود في مجال الأصول الرقمية للحفاظ على السيادة المالية الأوروبية. وحذر ليسكور من أن مستقبل التجارة الرقمية يعاد تشكيله بشكل شبه كامل بالدولار، في ظل التفوق الواضح للعملات المستقرة الأميركية.
