بيدرو سانشيز و"الجانب الصحيح من التاريخ"
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يحرص رئيس الوزراء الإسباني (اليساري) بيدرو شانشيز على الدفاع عن القيم الكونية والسلام، ما يجعل إسبانيا تفتخر بأنّها في "الجانب الصحيح من التاريخ"، كما يقول. ولا نملك، نحن المنتمين إلى الشعوب المقهورة ظلماً، إلا أن نُثني على هذا الموقف الأخلاقي. ولكن من الضروري أيضاً أن نقرأ الموقف الإسباني، بقيادة سانشيز، بوصفه نتيجة تفاعل بين تحوّلات داخلية في المجتمع الإسباني والسياسة الإسبانية، وحسابات خارجية تتعلّق بموقع إسبانيا في أوروبا والعالم. يقود سانشيز حكومةَ يساريةً (الحزب الاشتراكي) مدعومةً من قوى أكثر راديكالية أو متقاطعةً معها مثل ائتلاف سومار التقدمّي، ذي الأغلبية الاجتماعية، الذي شُكِّل أساساً لخوض انتخابات العام 2023، ويوصف بأنّه أكبر تحالف انتخابي في تاريخ إسبانيا (يضمّ 20 حزباً)، وامتدادات "بوديموس"، وهي التنسيقية التي تعمل ضمن برنامج اليسار الاجتماعي ضدّ الفساد السياسي والاقتصادي، لتصبح القوة الحزبية الرابعة في إسبانيا. منذ سنوات، جعلت هذه القوى من القضية الفلسطينية جزءاً من هُويّتها السياسية. وبالتالي، ليست مواقف سانشيز طارئةً في حياته السياسية، بقدر ما هي استمرار لخطاب يساري أوروبي يعتبر حقوق الإنسان معياراً مركزياً للسياسة. كما تؤدّي عبارة "الجانب الصحيح من التاريخ" دورها لغة تعبئة داخلية تعزّز شرعية الحكومة أمام قاعدتها، لتنسجم مع تحوّلات الرأي العام الإسباني، خصوصاً بين جيل شابّ أكثر كزموبولوليتية وانفتاحاً، وأكثر حساسيةً تجاه قضايا الاستعمار والحقوق وتفاوت القوة، في عالم يلعب فيه الإعلام البديل ومنصّات التواصل الاجتماعي دوراً في نقل الحروب الأميركية والإسرائيلية التي تنتهك حقوق الإنسان مباشرةً. ونتذكّر أنّ الشارع الإسباني قد شهد مظاهرات ضخمة تضامناً مع غزّة، ما يشير إلى مزاج عام لم يعد محايداً، في بلد عاش تحت قمع دكتاتورية فرانشيسكو فرانكو، قبل أن يسير في طريق الانتقال الديمقراطي. ومن هنا تلك الحساسية المتجذّرة تجاه القمع والسلطة غير المقيّدة، ليميل جزء معتبر من النخب الإسبانية، الثقافية والسياسية، إلى قراءة قضية فلسطين ضمن سرديات "التحرّر" و"مقاومة الهيمنة" ذات الجذور الضاربة في التاريخ الإسباني الاجتماعي، الفكري والسياسي. سابقاً، لم تكتفِ إسبانيا بالتصريحات، إذ انضمّت إلى دعوى الإبادة في محكمة العدل الدولية، وفتحت تحقيقات قانونية ضدّ مسؤولين إسرائيليين، وهي تحثّ أوروبا على التفكير في تعليق الشراكة مع دولة الاحتلال، لتترجم عبارة "الجانب الصحيح من التاريخ" سياسةً قانونيةً دوليةً، لا مجرّد خطاب عاطفي، علاوةً على مسعى سانشيز إلى إعادة تموضع مدريد في السياسة الأوروبية، ليقدّم إسبانيا صوتاً أوروبياً جنوبياً مستقلاً نسبياً، ويبني جسراً مع العالم العربي ودول أميركا اللاتينية. وإن كان من المبكّر الحديث عن قطيعة إسبانية مع الخطّ السياسي الأوروبي العام، لكنّها تبقى نموذجاً متميّزاً خارج الإجماع الأوروبي الرسمي، تقاوم من خلاله الحكومة اليسارية انزياح أوروبا نحو اليمين، في خضمّ صراع أيديولوجي داخل أوروبا نفسها. ولا يبدو أنّ خلاف سانشيز مع إدارة ترامب، المتفاقم في خضمّ الحرب "غير الشرعية" على إيران، كما يراها سانشيز، عابر. هو يبيّن حدود الرغبة الإسبانية في الاعتماد على المظلّة الأميركية، والتمسّك بهامش سيادي أوسع في السياسة الخارجية، ليبدو هذا إعادة تموضع يوازن بين حلف شمال الأطلسي (ناتو) وحقّ إسبانيا في تبنّي مواقف مستقلة في قضايا تمسّ القانون الدولي والرأي العام الداخلي. وبينما كان الموقف التقليدي لإسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة في أفريقيا، مدفوعاً برأي عام داخلي، يدعم حقّ تقرير المصير لـ"الشعب الصحراوي" عبر الاستفتاء، غيّر سانشيز في 2022 موقف بلاده ليساند المقترح الأميركي في "الحكم الذاتي" المغربي. وتنبع هذه البراغماتية السياسية من حاجة إسبانيا إلى علاقات مستقرّة مع المغرب (الهجرة، الأمن، الطاقة). مع ذلك، استمرّت إسبانيا في اعتبار سبتة ومليلية جزءاً من أراضيها، ولا تزال ترفض وصف وجودها في شمال أفريقيا بالاحتلال. ما يعني أنّ إسبانيا تحاول التوفيق بين خطاب قيمي جديد وميراث سياسي لم يُحلّ بعد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية