من النهر إلى البحر
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في لحظة سياسية مشحونة بأزمات اجتماعية واقتصادية، يبدو أنّه لا حلّ لها في المستقبل القريب، يتجدّد الجدل في فرنسا حول حدود حرّية التعبير حين تتقاطع مع دعم الحقّ الفلسطيني. مشروع قانون تقدّمت به النائبة كارولين يادان يعيد فتح هذا الملفّ من زاوية تبدو قانونيةً في ظاهرها. فالنائبة، المحامية السابقة، تمثّل دائرة الفرنسيين في الخارج التي تشمل إسرائيل، ما يجعلها على صلةٍ تمثيليةٍ مباشرةٍ مع جمهور انتخابي هناك. مسارها السياسي المرتبط بمؤسّسات اللوبي الصهيوني، ومشاركتها في زيارات إلى تل أبيب بناءً على دعوات من جماعات ضغط مؤيّدة لإسرائيل، تكشفان صلةً عمليةً مع دوائر القرار ومع الجهات المدافعة عن السياسات الإسرائيلية. إضافةً إلى مواقفها العلنية في الإعلام التي تعكس تبنّياً واضحاً للرواية الإسرائيلية، وقد بلغ ذلك حدّ انسحابها من الأغلبية الحاكمة عقب اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية. النصّ المقترَح يحمل عنوان "مكافحة الأشكال المتجدّدة من معاداة السامية"، غير أنّ مضمونه يتجاوز هذا. المشروع يوسّع نطاق جريمة "تمجيد الإرهاب" لتشمل الإيحاءات والتعبيرات غير المباشرة، ويستحدث جريمة الدعوة إلى تدمير دولة تعترف بها فرنسا، في إشارة مفهومة إلى إسرائيل. هذه الصياغات تنقل القانون من معاقبة أفعال محدّدة إلى ملاحقة توصيفات وخطابات وآراء، ما يفتح المجال لتأويلات واسعة تمسّ جوهر النقاش السياسي. الدافع إلى المشروع كلّه، بحسب تعبير إحدى النائبات الفرنسيات، أنّ سياسيين أوروبيين لم يعودوا يطيقون سماع الهتافات المرتفعة في المظاهرات الداعمة لفلسطين التي تطالب لها بالحرّية من النهر إلى البحر. المأزق الذي يواجه أنصار الصهيونية الأوروبية اليوم أنّهم حين يحاولون إعادة تعريف معاداة السامية، لتمتدّ إلى معاداة الصهيونية، لم يعودوا يقتصرون على محاولة ضبط الأفعال القابلة للتحديد بقدر ما أصبحوا أكثر تورّطاً في محاولة رسم حدود الوعي الشعبي نفسه، ليصبح تعريف الفعل المعادي للسامية غامضاً جدّاً، فيغدو القانون الفرنسي ملائماً لتجريم أيّ سياسي أو صحافي أو حتى متظاهر عادي يقول، مثلاً، بحقّ عودة لاجئ فلسطيني إلى أرضه، والمنصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة، لأنّ هذه العودة ستُعتبر تدميراً لدولة معترف بها فرنسياً، وهذا يفتح الباب لتأويل أيّ رأي مهما كان، ويُعاد توصيفه اعتداءً على الساميّة. في هذا التحوّل، تهتزّ حرّية التعبير في أساسها الفلسفي، لأنّ هذا الأساس يقوم على افتراض استقلال الرأي عن سلطة التأويل المفروضة عليه. من جهة أخرى، يفهم الفرنسيون، وكذلك الأوروبيون، حرّية التعبير شرطاً لإنتاج الحقيقة، ضمن التقليد الليبرالي لحرّية الرأي الذي صاغه جون ستيوارت ميل، وليس فقط امتيازاً مرتبط بسلامة محتواه. الفكرة عند ستيوارت ميل تُختبَر عبر التداول والنقاش، وتفقد حيويتها حين تُعزل عن النقاش. وبالتالي، فالمجتمع الذي يمنع الرأي حتى المخالف، يفقد القدرة على تصحيح نفسه، لأنّ الحقيقة داخله تتحوّل إلى يقين غير مُساءل. وهذه الرؤية لا تكتفي بالدفاع عن الحقّ في التعبير، بل تؤسّس فهماً ديناميكياً للمعرفة نفسها. وهذا التعديل على القانون إن حصل، سيؤدّي إلى مزيدٍ من الشروخ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشهدها أوروبا حالياً، وهذا ما يقدّم أحد التفسيرات لتصاعد الخطاب المؤيّد للحقّ الفلسطيني في الغرب عموماً. كما أنّ ضغوط اللوبيات المؤيّدة لإسرائيل في فرنسا تفسّر هذا المسار، لكنّها أصبحت عاجزةً عن منحه أيّ شرعية، في محاولتها إعادة تشكيل القانون الفرنسي فيما يتعلّق بحرّية الرأي وتطويعه استجابةً لمصالح لوبي مرتبط بدولة خارجية، وهي إسرائيل المتهمة بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، ويخضع حكّامها لمذكّرات توقيف دولية من المحكمة الجنائية الدولية. القيم التي تحتاج حماية قانونية مستمرّة تكشف هشاشةً في قدرتها على الإقناع. والفكرة التي لا تدافع عن نفسها داخل النقاش تفقد طاقتها الحيوية. وبالتالي، الدفاع عن حرّية التعبير يتحوّل، في هذا السياق، إلى دفاع عن قدرة المجتمع على اختبار ذاته، ومن دون هذا الاختبار، تغدو السياسة إدارةً صامتةً للمعاني، ويتحوّل القمع إلى ممارسة غير معلنة تعيد تشكيل الوعي من الداخل. لقد ترسّخت عدالة الحقّ الفلسطيني في الوعي الشعبي الأوروبي وتجذّرت في الدعوات العالمية لدى الجيل الأوروبي الصاعد الباحث عن عالم أكثر عدالة، ولن تنجح محاولات إعادة السيطرة على هذا الوعي، وهذا ما جعل عدد الموقّعين على العريضة الإلكترونية المعارضة لهذا المشروع يتجاوز، خلال بضعة أيام، 700 ألف توقيع في موقع الجمعية الوطنية الفرنسية على الإنترنت.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية