عربي
في تشييع ألقيت خلاله كلمات استذكرت مسيرتها النضالية، ودّعت بلدة القليلة في قضاء صور، جنوبي لبنان، أمس الأحد، المناضلة مها أبو خليل (80 سنة)، التي استُشهدت بغارة إسرائيلية على مدينة صور، قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في منتصف ليل الخميس الجمعة، في استهداف سوّى أربعة مبانٍ سكنية بالأرض.
كانت أبو خليل تحرص يومياً على مراسلة أصدقائها عبر تطبيق "واتساب"، برسالة تبدأها بـ"صباح الصمود"، وصبيحة يوم استشهادها، كتبت أبو خليل كلمات تشي غيفارا: "كل الأشياء تباع وتشترى بذات العملة، إلا الوطن، يُباع بالخيانة، ويشترى بالدم".
واستذكر أصدقاء الشهيدة رفيقتهم بكلمات حاكت مسيرتها النضالية، كونها من الفدائيات الأُول، كما حرصت على إبقاء نشاطها مستمراً بالرغم من التقدم في العمر، وسارعت للقاء المناضل جورج عبد الله عند عودته إلى لبنان، في يوليو/ تموز الماضي، بعد أربعة عقود قضاها في سجون فرنسا.
وكشف أحد أقارب أبو خليل عن اتصال دار بينهما قبيل استشهادها، إذ قالت له: "إذا استشهدت، فوصيتي إليك أن تقوم بواجبي"، وعندما ضحك قائلاً لها إن الحرب انتهت، أجابته "إسرائيل غدارة، ما بتعرف (لا يمكن أن تعرف)".
وخلال التشييع، قال الشيخ ربيع قبيسي عن مسيرة الشهيدة: "كانت تحمل معنى الإيمان والثبات في الجنوب، وأرض جبل عامل، وقد خرجت من هذه القرية لتكتب عنوان العزة منذ صباها، وفي عام 1969، وقفت لتقول لا للاحتلال ولا للعدو، فكانت أيقونة في النضال، وكانت مقاومة في ساحة جهادها، وسجلت في تاريخها عنواناً لا ينسى، كما آمنت بالعناوين التي رفعها الإمام موسى الصدر، فكانت شريكة في العمل الإنساني والاجتماعي، وسجّلت في كلّ محطة من محطات الوطن بصمة خيرٍ وأمل".
وارتبطت مها أبو خليل مبكراً بمسارات العمل النضالي الداعم للقضية الفلسطينية، وانخرطت في أنشطة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرز اسمها بعد المشاركة في عملية أثينا الفدائية، والتي كان الهدف منها تحرير الأسرى الفلسطينيين والعرب من سجون الاحتلال، والتي شكّلت حينها مرحلة مركزية من برنامج العمل الثوري الفلسطيني.
وفي تلك الواقعة حاولت مع سامي عبود وعصام ضومط من الجبهة الشعبية، اختطاف طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية في مطار أثينا، في ديسمبر/ كانون الأول 1969، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، واعتقلوا في أثناء محاولتهم الصعود إلى الطائرة التي كانت متجهة إلى روما، ووُجهت إليهم تهم من بينها حيازة متفجرات، وخضعوا للمحاكمة في اليونان، ثم أفرج عنهم في عام 1970 ضمن صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل والجبهة الشعبية.
وتداولت منصّات فلسطينية مقطع فيديو تظهر فيه مها في شبابها ترفع شارة النصر، خلال محاكمتها في اليونان، وكتب مسؤول المكتب الإعلامي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، أحمد مراد، أن "استشهاد مها لم يكن حدثاً عابراً في سجل الألم، بل لحظة موجعة تختصر حكاية وطنٍ بأكمله. منذ ريعان شبابها، لم تكن امرأة عادية، بل كانت مشروع مقاومة متكامل. حملت البندقية مبكراً، وانخرطت في صفوف النضال لتكون من بين الفدائيين الذين نفذوا عملية الطائرة الصهيونية في مطار أثينا. اعتُقلت حينها، لكنها لم تُكسر، بل خرجت أكثر صلابة، لتعود إلى ميادين النضال بإرادة أشد، وقد جمعتها مسيرة النضال بعلاقة وثيقة مع القائدين جورج حبش ووديع حداد، حيث نهلت من تجربتهما روح الالتزام الثوري وصلابة الموقف، وظلّت تلك العلاقة مصدر فخرٍ واعتزاز في مسيرتها". وتابع مراد: "لم تتوقف مسيرة أبو خليل عند حدود الكفاح المسلح، بل أدركت مبكراً أن المعركة مع المشروع الصهيوني الإمبريالي هي معركة وعي وثقافة بقدر ما هي معركة بندقية. فتابعت تحصيلها الأكاديمي بإصرارٍ نادر، ونالت عدة شهادات علمية، لتجمع بين الفكر والمقاومة، وبين القلم والبندقية، في صورة نادرة لمناضلة شاملة. وفي ميادين العمل الثقافي والاجتماعي والإعلامي، تركت بصماتٍ لا تُمحى، وكان دورها في الإدارة العامة في مؤسسات الإمام موسى الصدر شاهداً على إيمانها العميق بأن بناء جيلٍ مثقفٍ وواعٍ هو حجر الأساس في استمرار المقاومة. لم تكن تبحث عن الأضواء، بل كانت تفضّل العمل بصمت، حيث يكون الأثر أعمق، والبصمة أبقى".
وقال النائب الأردني السابق، منصور سيف الدين مراد: "تعرّفت إليها بعد ضبطنا عقب تنفيذنا عملية في المجمع الصهيوني، وكنا جميعاً في السجن، ثم تطورت العلاقة مع مها، فهي إنسانة ذات ثقافة عالية، ومنتمية عقائدياً، وتحمل في وجدانها وضميرها الثورة الفلسطينية، وكانت تؤمن بحتمية النصر، وتؤكد أن البندقية يجب أن تكون إلى جانب البرنامج السياسي، ولا يجوز الفصل بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، فهما كطائر بجناحين. أمضيت نحو 20 عاماً في الجنوب ضمن جبهة النضال الشعبي، ولاحقاً مع جبهة الإنقاذ التي جرى تأسيسها بعد الخلاف مع أبو عمّار (ياسر عرفات)، الذي كان يتجه نحو التفاوض، في حين كانت الجبهة الشعبية وجبهة النضال وجبهة التحرير الفلسطينية ترفض الاعتراف بالعدو".
وأضاف: "شاركت مها أيضاً في حرب المخيمات خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكانت منضبطة، ومنتمية انتماءً حقيقياً للجبهة، وكان عملها يتركز على خدمة الناس، ورفع الظلم عنهم، كما كانت تتعامل بروح إنسانية، وتُخلص في أي مهمة تُكلف بها، واضعة كل طاقتها في خدمة هذه المهمة، وكانت مؤمنة بالإنسان، ومحبة لكل الناس".
