عربي
هما اسمان عبرا في أخبار الأيام القليلة الماضية، أخَذانا إلى زمنٍ فلسطيني آفل، من نافل النوافل أن نذهب إليه هنا، فيما الراهن مثقلٌ بما هو أوْلى للانشغال به، من غزير النوائب والرزايا ومحادل التمويت في غير موضع عربي، في لبنان وفلسطين أولاً وتالياً... تستشهد اللبنانية، مها أبو خليل، عن 78 عاماً، في اعتداءٍ إسرائيليٍّ على بنايةٍ تقيم فيها في صور، فيعرُّفنا عارفوها بسيرتها، مناضلةً وناشطةً في العمل الخيري، وأستاذة جامعية وهي التي تحمل الدكتوراه. نرى صورَ لها مع جورج حبش شابّةً في مطالع عشرينيّاتها، وتنعاها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بما يليق. يُضيء ما نشرهُ عنها بعض من جايلوا شبابها الأول، وعبروا معها في غير محطّةٍ كفاحيةٍ وإنسانيةٍ ومهنية، على زمنٍ مضى كان له إيقاعٌ آخر، قد يغشى بعضَنا شيءٌ من نوستالجيا له. كيف لا وللشهيدة، في الثانية والعشرين من عمرها، مشاركةٌ شجاعةٌ في العمل الثوري، في واحدةٍ من تنويعاته الفلسطينية التي طبعت مرحلةً مضت، كان من تفاصيلها خطف الطائرات الإسرائيلية صيغةً لتحرير أسرى من سجون العدو. تُعتقل في خواتيم 1969، مع رفيقيْن لها، ومعهم سلاحٌ في محاولة هجومٍ على طائرة إسرائيلية في مطار أثينا. وفي أرشيف النضال الوطني الفلسطيني، الذي ساهم فيه لبنانيون وعراقيون وسوريون وأردنيون، ومن بلاد عربية وأجنبية عديدة، لم يكن فعلٌ كهذا من محرّمات الإرهاب وما شابه. كانت مها حبّةً في عنقودٍ يضم شابّاتٍ ناضلْن وأُسِرن واستُشهدن وحاربْن، وانتسبْن إلى الأفق الفلسطيني، في بُعده الكوني العام. نجت في تلك السنوات البعيدة، ثم سافرت إلى براغ ودرست ودرّست، ثم نشطت في مؤسّسةٍ خيريةٍ في بلدها، وبدا أنها آثرت الإقامة في الظلّ، مع فاعليّتها بما تستطيع في مناشط احتجاجية وأهلية وإنسانية عديدة.
... يتكتّم الإعلام الرسمي للسلطة الفلسطينية عن نبأ تسليمها المواطن الفلسطيني محمود خضر العدرا، المعروف باسم هشام حرب (71 عاماً) إلى السلطات الفرنسية التي نقلتْه من عمّان إلى باريس في طائرةٍ خاصة. غير أن النبأ شاعَ وذاع. وكان قد سبقَه ما تردّد عن حبْس الرجل، وهو ضابط في الأمن الفلسطيني متقاعد، في سجنٍ في يطّا (من بلدات الخليل). يُسعفنا البحث في جُذاذاتٍ إخبارية، ونُتفٍ أرشيفية، أن حرب هذا اعتدى في هجومٍ على مطعمٍ يهوديٍّ في باريس في 1982، قضى فيه ستة أشخاص يهود، وكان في تنظيم فتح – المجلس الثوري (المعروفة بجماعة أبو نضال). ولئن لا تتوفّر معرفةٌ بوسيلته في عدم القبَض عليه، ولئن يمكن التكهّن بأنه ممن جرت التسوية معهم في المؤسّسة الرسمية الفلسطينية مع انشقاقهم عن تلك المجموعة الشاذّة في المسار النضالي الفلسطيني، والتي قتلت نخباً وكوادر فلسطينيةً غير قليلة، فمن بالغ الوجوب أن يُعرف أن في تسليمه إلى فرنسا خروجاً عن القانون وعن الأعراف الوطنية، سيّما أن لا محكمة في مؤسّسة القضاء الفلسطيني أجازت هذا الفعل المُستهجن. ومن بالغ الأهمية أن يُعرف أن الدول التي تقيم أوزاناً لمواطنيها لا تتقادَم فيها أي قضايا تتعلق بهم، وإذ يُحسَب ما ارتكبه هشام حرب هناك في باريس جرماً جنائياً (وهو كذلك)، فلن تنام الدولة على هذا، ولن تنسى ذلك الفعل الذي مرّت عليه 44 عاماً، فيحدِّث ماكرون محمود عبّاس في هذا، ثم يستجيب الأخير لما طُلب منه.
قد يُرى أن في قصتي مها أبو خليل وهشام حرب، على ما بينهما من فروق، وعلى ما قد يكون لدينا من منظورات بصددهما، ما يحثّ على التفكّر في أساليب النضال الفلسطيني في محطّات صارت بعيدة، إن كان خطف الطائرات وقتل يهودٍ في مطعم من وسائل يُجاز وصفها أفعالاً ثورية تخدم فلسطين وقضيتها أم لا. ولكن استشهاد السيدة اللبنانية وتسليم المواطن الفلسطيني لفرنسا يُتيحان عبوراً إلى أكثر من مسألة ومسألة، منها أن العمل الفدائي الفلسطيني اكتنفه كثيرٌ مما هو جدلي، والأهم أن يُسأَل عن استنكافٍ فلسطينيٍّ مديدٍ عن مطالبات بقتلة شخصيات فلسطينية في غير بلد أوروبي (عاطف بسيسو، ماجد أبو شرار، محمود الهمشري، ... إلخ)، ومنها فرنسا، وبمحاكماتٍ لهم، ما دام أن اللبناني جورج عبد الله يُمضي 41 عاماً في سجونٍ فرنسية، بعد محاكماتٍ انبنت على اتهامه باغتيال دبلوماسيٍّ إسرائيليٍّ وملحق عسكري أميركي. وما دام أن جورج حبش يُطالًب به وهو على سريرِه في مستسفى باريسي في 1992، بدعوى مسؤوليّته عن "خطف طائرات وقتل مدنيين"، قبل أن ينجو، بجهودٍ استثنائيةٍ بذلها ياسر عرفات وإسناد جزائري.
رحم الله الشهيدة مها الخليل، وفرّج الله عن هشام حرب. ردّانا إلى إيقاع زمنٍ نضاليٍّ فلسطينيٍّ وعربيٍّ مضى وانقضى.
