عربي
ستنتهي هذه الحرب عاجلاً أم آجلاً، وهي التي حبست أنفاس العرب وغيرهم شهرين تقريباً. تسمَّر الناسُ حول شاشاتهم، يتابعون مختلف حلقات المسلسل الدموي العابث الذي أزهق أرواح أبرياء وبدّد ثروات الشعوب، سواء في إيران، أو دول الخليج، أو لبنان، أوغيرها من دولٍ لحقتها ألسنة اللهب المستعِرة. تقابل مخيّمان كبيران: إيران والدول العربية والإسلامية (ولو غياباً) من جهة، والأميركيون والكيان الصهيوني من جهة أخرى. وتعمد عاطفتنا إلى طمس مختلف التباينات التي حصلت في المخيّم الأول، فقد استهدفت إيران دول الخليج، وأبدت دول عربية وإسلامية، نُظماً وشعوباً، خلافات، عرضية أو جوهرية، مع إيران. ومع ذلك، لا تستطيع مهج جلّنا أن تساوي بين إيران وإسرائيل، إلا لدى بعض ممَّن ظلّوا أسرى تاريخ سحيق يعود بنا إلى ما قبل "الفتنة"، مروراً بنشأة الدولة الصفوية، وصولاً إلى شاه إيران وما بعده.
انزاحت الثورة الإيرانية إلى جعفرية اثني عشرية ممزوجة بمرجعيات شيعية أخرى أكثر تشدّداً وتشيّعاً
قاربت إيران، بعد الثورة تحديداً، المُهج العربية والإسلامية، فأُغلقت السفارة الإسرائيلية مباشرةً إثر سقوط نظام الشاه سنة 1979، وسُلّم مقرّها إلى منظّمة التحرير الفلسطينية، وناصرت جلّ قضايا العرب، وفي رأسها فلسطين، ولكن مع ذلك ارتكبت أخطاءً فظيعةً لعلّنا نكتفي بذكر ثلاث منها، كنّ قد نزعن عنها سحرها الأول الذي رافق ثورتها، حتى إنّ مفكّرين كباراً، عرباً وأجانبَ، وقعوا تحت غوايتها: أدونيس، وحسن حنفي، وفهمي هويدي، وفوكو، وسارتر، وغيرهم، قبل أن ينفضّوا عنها.
الخطأ الأوّل انحرافها الطائفي، فإذا كانت إيران قد أنجزت ثورتها الإسلامية، وسمّت نفسها بـ"الجمهورية الإسلامية"، فإنّ ثورتها سرعان ما انزاحت إلى جعفرية اثني عشرية ممزوجة بمرجعيات شيعية أخرى أكثر تشدّداً وتشيّعاً. أمّا الخطأ الثاني فهو تحريك "حلفائها" في أكثر من مكان في معارك بالوكالة خاضوها ضدّ خصومها. أمّا الخطأ الثالث فهو وقوفها ضدّ الثورات العربية عموماً، ولعلّ من المفارقة أنّ ثورةً إسلاميةً تنكر على الشعوب العربية أن تنجز ثورتها الخاصّة في معانقة الحرية والديمقراطية. ساندت إيران خصوم الثورات العربية من قوميين ويساريين رأوا في تلك الثورات العربية "ربيعاً عبرياً". ولعلّ استماتتها في الدفاع عن نظام بشّار الأسد، حتى وهو يلقي براميله المتفجّرة، تمثّل نموذجاً جامعاً للأخطاء الثلاثة الفارطة: الانحراف الطائفي، وحرب الوكالة، ومناهضة الثورات العربية.
ولعلّه من الإنصاف أيضاً أن نذكر أنّ البلدان العربية، أنظمة وشعوباً، لم تبادل الثورة الإيرانية منذ اندلاعها مشاعر القبول والترحاب، بل تحفّظت عليها، وقد تكون تجربة الخميني في منفاه العراقي قد شكّلت فرصةً سانحةً لاتخاذ تلك المواقف، ودليل ذلك أنّها دفعت النظام العراقي إلى خوض حرب بالوكالة عنها ضدّ إيران استمرّت ثماني سنوات، علاوة على قطع العلاقات الدبلوماسية معها بين حين وآخر.
وبقطع النظر عن تحديد مَن من الطرفَين يتحمّل العبء الأكثر في هذا الإرث كلّه من الجفاء المتبادل بين إيران وجيرانها العرب، فإنّ الحربَين اللتَين خاضتهما إيران ضدّ الكيان الصهيوني وأميركا، ولا يفصل بينهما سوى بضعة أشهر، أبرزتا مرّةً أخرى حجم الهوّة الشاسعة التي تفصل الجارَين، بل إنّها تتّسع بين حين وآخر. ولعلّ استهداف إيران دولَ الخليج ظلّ في الرأي العربي الواسع عملاً مرفوضاً، ولم تفلح التبريرات التي قدّمتها إيران في إقناع الشارع العربي العريض بشرعية استهدافها للبلدان العربية. "برّر" بعضهم لها ما فعلت، ولكن يظلّ الموقف مهتزّاً، وهو أقرب إلى التبرير.
ما لم تبادر إيران إلى تعديل سياساتها في المنطقة، وإلى تلطيف نبرتها الطائفية، فإنّها لن تظفر بأيّ تعاطف عربي
ستنتهي الحرب، طالت أم قصرت، وسيستخلص الجميع منها العبر أو الدروس، وقد يكون العرب آخر من يفعلون ذلك، فلقد فوّتوا أحداثاً عظاماً ولم يستخلصوا منها شيئاً، ما جعل تاريخهم يعيد نفسه (في شكل مهزلة). وقد تعود المياه إلى مجاريها بين إيران والعرب، خصوصاً على مستوى الأنظمة، ولكن ثمّة شرخ عميق سيظلّ يتوسّع تدريجياً بين الشعوب العربية وإيران. كان وقوفها ضدّ تطلّعات الشعب السوري وبرودها تجاه ما جرى في غزّة، مقابل هبّتها الهوجاء لنصرة النظام السوري، وحماسها المفرط "لمظلومية" الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان... إلخ، نصالاً انغرست في وجدان الشعوب العربية.
ما لم تبادر إيران إلى تعديل سياساتها في المنطقة، وإلى تلطيف نبرتها الطائفية، فإنّها لن تظفر بأيّ تعاطف عربي، حتى ولو كانت معاركها نبيلة تخوضها نيابةً عن العرب في حربهم ضدّ إسرائيل. وتحفّظ العرب تجاه سياسات إيران في المنطقة لا يمكن، مهما كانت المبرّرات، أن يساويها بإسرائيل.

أخبار ذات صلة.
واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز
الشرق الأوسط
منذ 19 دقيقة