عربي
لأكثر من أربعين يوماً، عاش اللبنانيون جحيماً مفتوحاً على كل الاحتمالات، بعدما تجدّد الحرب والعدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان. ومع إعلان وقف إطلاق النار في السادس عشر من الشهر الحالي، تنفّس اللبنانيون الصعداء، ولو بحذر، وسط ترقّب لما ستؤول إليه الأيام المقبلة، وما إذا كان هذا الهدوء سيصمد أم أنه مجرد استراحة قصيرة في مسار طويل من الأزمات.
خلال فترة الحرب، توقّف عدد من المغنّين في لبنان والعالم العربي عن أي نشاط فني، في خطوة عكست حساسية المرحلة واحترامهم لمشاعر الجمهور. اقتصر حضورهم على مواقف إنسانية ورسائل تضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ عبّروا عن حزنهم وأملهم بانتهاء الحرب وعودة الأمان. في المقابل، لم يكتفِ بعض الفنانين بالكلمة، بل بادروا إلى تقديم مساعدات مباشرة للنازحين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، سواء عبر دعم مادي أو المشاركة في حملات إغاثة.
ومع انقشاع غبار الحرب تدريجياً، بدأت ملامح العودة الفنية بالظهور. فقد نشرت المغنية اللبنانية إليسا صورة من داخل الاستوديو، في إشارة واضحة إلى استئناف نشاطها الفني. تشير المعلومات إلى أنها تضع اللمسات الأخيرة على عمل غنائي جديد من المتوقع صدوره خلال أسابيع، في عودة طال انتظارها بعد غياب دام نحو ثلاث سنوات عن الإصدارات الكاملة، اكتفت خلالها ببعض التترات والأعمال الخاصة.
بدورها، سبقت المغنية اللبنانية نانسي عجرم إعلان وقف إطلاق النار بيوم، وأصدرت بياناً أعلنت فيه استئناف نشاطها الفني، مؤكدة انطلاق جولة فنية عالمية تشمل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. جاء في بيانها: "بعد فترة من الصمت والتأمل، وبإحساس عميق بالمسؤولية، أُعلن استئناف التزاماتي المجدولة مسبقاً، والمضي قدماً في الجولة العالمية التي تم تحديدها منذ أشهر".
وأكدت أن هذا القرار "لا ينبع من انفصال عن واقعنا المرير، بل من إيمان راسخ بأن لبنان يجب أن يبقى حاضراً، مسموعاً ومرئياً"، مشيرة إلى الدعم الكبير الذي تتلقاه من جمهورها حول العالم. كما أوضحت أنها تسعى من خلال عودتها إلى المسرح إلى "مدّ جسر نحو الوحدة والتلاقي والسلام"، معربة عن أملها بأن تحمل الأيام المقبلة مزيداً من الأمان والاستقرار.
وكانت نانسي عجرم قد أحيت حفلاً خاصاً في جدة، بمناسبة زفاف نجل فنان العرب محمد عبده، في أول ظهور فني لها بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار، في خطوة عكست رغبة واضحة لدى بعض الفنانين في استعادة نبض الحياة الفنية سريعاً.
وأعلن الفنان عاصي الحلاني استئناف نشاطه الفني أيضاً، مع خطط لخوض جولة في عدد من الدول الأوروبية، استناداً إلى اتفاقات أبرمت قبل اندلاع الحرب. وكان الحلاني قد أعاد نشر كلمات أوبريت "يا جنوب"، من كلمات الشاعر نزار فرنسيس وألحان سمير صفير، وكان قد قدّمه قبل 17 عاماً تحية لأبناء الجنوب، في لفتة تحمل دلالات وجدانية ووطنية في هذا التوقيت.
هل يمكن إقامة المهرجانات الفنية والحفلات في لبنان مع عودة الهدوء؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن فعلاً استئناف الحفلات والمهرجانات الفنية في لبنان مع عودة الهدوء؟ الإجابة لا تزال غير محسومة. فبينما يسود التفاؤل الحذر، يدرك المعنيون أن المشهد لا يزال هشاً، وأن أي تصعيد مفاجئ قد يبدّد هذه المحاولات.
ورغم ذلك، تشير المعلومات إلى أن بعض المتعهدين في لبنان بدؤوا، منذ الساعات الأولى لإعلان وقف إطلاق النار، التحضير لإطلاق موسم مهرجانات الصيف، في محاولة لإعادة الحياة إلى قطاع يمثّل أبرز قطاعات الثقافة والسياحة في البلاد. فالمهرجانات اللبنانية، التي لطالما شكّلت منصة للفن والانفتاح، ليست مجرد حفلات، بل جزء من هوية لبنان وصورته في العالم.
التحدي اليوم لا يقتصر على تنظيم حفلات، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة ثقة الجمهور، وضمان الاستقرار الأمني، وتأمين الظروف اللوجستية والاقتصادية اللازمة لنجاح هذه الفعاليات. كما أن عودة الفنانين إلى المسرح تحمل بعداً رمزياً، إذ تعبّر عن إرادة الحياة في مواجهة الدمار، وعن تمسّك اللبنانيين بثقافتهم رغم كل الأزمات.
