العقاب الجماعي... كيف يدفع الفلسطينيون ثمن حروب إسرائيل على المنطقة؟
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
لا يحتاج الاحتلال إلى ذرائع للتنكيل بالفلسطينيين، غير أن نمطاً متكرراً من تصاعد وتيرة القمع واستهداف المدنيين في الضفة الغربية كلما شن حرباً على المنطقة، بلغ حد البطش بمن يفترض الإسرائيليون فرحهم بالقصف الإيراني. - تعرض الثلاثيني الفلسطيني أحمد إبراهيم للتنكيل والاحتجاز على حاجز عطارة العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة شمال رام الله، أثناء عودته من مدينة روابي، بعدما عثر جنود الاحتلال على صورة لخريطة صافرة الإنذار كان قد أرسلها إلى عائلته بهدف تنبيههم وتحذيرهم من إمكانية وقوع شظايا صاروخية بالقرب منهم. وتكرر الفعل ذاته مع محمود صالح، من بلدة خربثا المصباح، غربي رام الله، إذ أوضح في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الجنود الذين أوقفوه على حاجز بيت عور القريب من بلدته فسّروا تصويره شظية صاروخية سقطت في محيط منزله باعتباره ابتهاجاً بالقصف الإيراني. ولا يتوقف التنكيل بالفلسطينيين على المارين من الحواجز، بل تطور إلى تنفيذ عمليات اقتحام لأيام متواصلة، جرى خلالها مداهمة المنازل وتفتيش الهواتف بحثاً عن صور مرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما جرى في بلدات خربثا المصباح وبيت عور التحتا وبيت عور الفوقا، غربي رام الله، في السادس من مارس/ آذار، عقب إغلاق مداخلها، والبدء في عمليات تفتيش وتدقيق للهواتف بعد اقتحام المنازل استمرت ليومين، وفق ما أفاد 11 مواطناً من البلدات المذكورة "العربي الجديد"، من بينهم آمنة سليمان، من بيت عور التحتا، التي قالت لـ"العربي الجديد" إن جنود الاحتلال عاثوا في منزلها خراباً رغم عدم ضبطهم أي صورة ذات علاقة بالحرب، وكان مبرر الضابط المسؤول أنهم يفترضون أن الفلسطينيين يفرحون بعمليات القصف على دولة الاحتلال. وتترافق عمليات الاقتحام والتفتيش مع تحقيق ميداني يتعرض له مواطنون وأسرى محررون، كما جرى في بلدة بيت لقيا القريبة من رام الله في 18 مارس، إذ جرى اقتحام 15 منزلاً والتحقيق مع من فيها. ويقول الأسير المحرر فادي (طلب تعريفه باسم مستعار حتى لا يعتقل مجدداً)، من رام الله، إن جيش الاحتلال اقتحم منزله في يونيو/ حزيران الماضي أثناء حرب دولة الاحتلال وإيران، وتم تحطيم محتوياته والاعتداء عليه والتحقيق معه حول موقفه من الحرب من ضابط عرّف نفسه بأنه من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وقد تكرر الأمر نفسه في الحرب الحالية، مشيراً إلى أن الحرب أصبحت تشكل كابوساً بالنسبة له ولعائلته. يعكس ما سبق من حالات نمطاً متكرراً لقمع الفلسطينيين أثناء حروب إسرائيل على الإقليم، في ظاهرة ذات سياق تاريخي يمتد إلى عام 1973، وفق ما توصل إليه التحقيق الذي يعمل على رصد آليات التنكيل وتوثيقها، في ظل تصاعدها الممنهج، إذ وقعت، بحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، 68 حملة اقتحام واسعة (لا تشمل عمليات المداهمة والاعتقال المركزة أو المحدودة)، خلال الفترة ما بين 28 فبراير/ شباط (بدء الحرب)، و31 مارس، وشملت تحقيقات ميدانية واسعة وتفتيش هواتف، وبلغت ذروتها في السادس من مارس بست حملات واسعة، منها ما استمر لعدة أيام، كما جرى في بلدة زيتا، شمالي طولكرم، التي فُرض فيها منع التجول ونُفذت مداهمات متواصلة لمدة خمسة أيام، وكذلك في بيت فوريك، شرقي نابلس، وجبع، جنوبي جنين، حيث استمرت الاقتحامات أربعة أيام، وقد جاءت هذه الإجراءات خلال شهر رمضان، فلم يتمكن المواطنون من مغادرة منازلهم لتأمين احتياجات الإفطار والسحور من الطعام والمواد الأساسية، وفق ما أوضحه أحمد مليطات، من بيت فوريك، لـ"العربي الجديد". حرمان من الاحتياجات الأساسية لم تسلم الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين من استهداف إسرائيلي في زمن الحرب، خاصة تلك التي يعتمدون فيها على الاحتلال مثل الغاز، كما يقول أسامة مصلح، نقيب أصحاب محطات الغاز في الضفة الغربية، كاشفاً أن توريد الغاز توقف بشكل كامل في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب على إيران، ما خلق أزمة كبيرة في الضفة الغربية، لافتاً إلى عدم وجود أي احتياطي للطوارئ، وأن ما يتم توريده بشكل يومي ينفد مباشرة بمجرد التوزيع للوكلاء والمواطنين. أوقف الاحتلال توريد الغاز للفلسطينيين في بداية الحرب على إيران يشير مصلح أيضاً إلى أن الحواجز والبوابات الحديدية التي أغلق بها الاحتلال مداخل القرى والبلدات والمدن خلال فترة الحرب خلقت عائقاً أمام وصول الغاز إلى المواطنين. على سبيل المثال، وقع هذا في قرية دوما، جنوبي نابلس، وانقطع عنها الغاز بسبب إغلاق البوابات الحديدية على مدخلها، وفق إفادة رئيس مجلسها القروي سليمان دوابشة، الذي أكد أنهم يعيشون في عزلة تامة، فحتى مركبات الإسعاف ممنوعة من الدخول إلى القرية أو الخروج منها، في ظل نقص واسع في المواد التموينية والمحروقات وغاز الطهي الذي لا يستطيع السكان تعويضه. تفاقم اعتداءات المستوطنين والمساس بالمقدسات يكشف دوابشة عن جانب آخر لاستغلال الاحتلال الحرب للتنكيل بالفلسطينيين يتمثل في ارتفاع وتيرة هجمات المستوطنين وتهديداتهم، فقد وصلت حد إخلاء حيّ الشكارة في القرية من المواطنين البالغ عددهم نحو 80 فلسطينياً، وتحويله إلى منطقة عسكرية مغلقة تحت تهديد سلاح المستوطنين والجيش، بعد سلسلة من الهجمات والاعتداءات وسرقة المواشي والممتلكات وقطع التيار الكهربائي. يتقاطع ما وثقه دوابشة مع بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة (أوتشا)، الواردة في تقريره الصادر في 19 مارس الماضي، مؤكداً أن هجمات المستوطنين منذ بداية الشهر المذكور (تزامناً مع الحرب) باتت أكثر شدة، وسجلت الإصابات البشرية فيها زيادة بلغت نسبتها 54% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، كما شهد التهجير الناجم عنها زيادة بنحو أربعة أضعاف. صورة أخرى للانتهاكات يسلط الضوء عليها معروف الرفاعي، المستشار الإعلامي في محافظة القدس، قائلا في حديثه لـ"العربي الجديد"، أغلق الاحتلال المسجد الأقصى أمام المصلين، تزامنا مع شهر رمضان من دون اعتبار لخصوصيته الدينية. وبحسبه، لم تسمح سلطات الاحتلال حتى بإقامة صلوات الجمعة وصلاة العيد، وحتى المحال التجارية في البلدة القديمة تم إغلاقها بأوامر من بلدية الاحتلال، مؤكداً أن دولة الاحتلال تستغل الأحداث هذه ليس فقط من أجل فرض السيادة على القدس، بل لخلق واقع جديد في إدارة المدينة، بعدما حيدت الأوقاف الإسلامية الأردنية تماماً عن هذا الدور، وهو ما جرى كذلك خلال حرب الـ12 يوماً في يونيو الماضي. علاوة على ذلك، لم ينج الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، من الإغلاق، فقد تعرض هو الآخر لتقييدات من الاحتلال، كما يوضح مديره السابق حفظي أبو سنينة لـ"العربي الجديد"، مشيراً إلى أن الحرم يمثل مكاناً مقدساً وعنواناً للخليل، وقد منعت الصلوات فيه أثناء الحرب إلا بشروط تشمل دخول 50 شخصاً فقط، معتبرا أن الحرب على إيران ذريعة لإغلاق يتم من أجل تحويله لاحقاً إلى أمر واقع، ما يدل على النية في السيطرة المطلقة على المقدسات العربية والإسلامية. فرصة للقمع تعيد الأحداث الجارية في المنطقة إلى ذاكرة الفلسطينيين نماذج أخرى تحملوا فيها عبء حروب شنتها أو شُنت على دولة الاحتلال، كما جرى في حرب الخليج الأولى 1991، إذ فُرض حظر تجول على مدار 24 ساعة في 16 يناير/كانون الثاني استناداً إلى المادة 89 من الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 378، وفق ما يرد في موقع جيش الاحتلال. ويوضح صالح حسن، من نابلس، الذي تعرض لمخالفة في يناير 1991 بقيمة 500 شيكل (166 دولاراً) بعد خرقه حظر التجول، أن جيش الاحتلال سير دوريات تحمل مكبرات صوت لتحذير الفلسطينيين من مغادرة منازلهم، وقد استمرت هذه الحالة حتى مطلع مارس من العام نفسه، بينما استشهد خلال تلك الفترة أربعة فلسطينيين لخرقهم حظر التجول، منهم سيدة قتلها الاحتلال في 19 يناير من العام ذاته في نابلس أثناء خروجها إلى شرفة منزلها لإطعام طفلها، كما جاء في أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية. في تلك الفترة جرى اعتقال 200 فلسطيني بتهمة خرق حظر التجول، بحسب تقرير لمنظمة "ميدل إيست ووتش" (الاسم القديم لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش)، الصادر في يناير 1991 تحت عنوان: "في ظل أشد حظر تجول منذ عام 1973 يواجه فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة معاناة متزايدة". وبحسب التقرير، فعلى غرار حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 التي اندلعت بين مصر وسورية من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، عانى الفلسطينيون من حظر التجول والتنكيل خلال حرب الخليج 1991 ولكن بصورة أشد؛ إذ فقد الفلسطينيون خلال الحرب مصدر دخلهم بسبب تقييد حركتهم، ومنعوا من الوصول إلى المرافق الطبية، وإلى أراضيهم ومزارعهم، وأدى ذلك لنقص حاد في الاحتياجات الأساسية، ومن بينها الغذاء، وهو ما يؤكده إبراهيم عليان، من بلدة بيت عور التحتا، غرب رام الله، مشيراً إلى أن عائلته لجأت إلى استخدام الحطب للطهي بسبب نقص الغاز، وقد نفدت المواد الغذائية الأساسية، ما تسبب بنقص في الغذاء، وهي نقطة يشير إليها التقرير المذكور، موضحاً أن الفلسطينيين عانوا من سوء التغذية إلى حد المجاعة بسبب الإجراءات الإسرائيلية. لكن السياسة الأبرز التي جرى تطبيقها خلال حرب الخليج وأصبحت هي الضابط لحركة الفلسطينيين حتى اليوم هي "نظام التصاريح الفردية"، إذ إنه قبل الحرب كان مسموحاً لكل الفلسطينيين الدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948، لكن خلالها جرى تقييد ذلك في ضوء حظر التجول، وإصدار تصاريح فردية لحالات خاصة، وقد ألغت دولة الاحتلال نظام "التصريح العام"، واستبدلته بنظام يتطلب تصاريح فردية لكل حالة دخول، وفق دراسة صادرة في 2018 بعنوان "حالة الطوارئ المستمرة: نظام التصاريح الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة" للباحثة يائيل بردا من قسم علم الاجتماع في الجامعة العبرية.  ومنذ ذلك الحين تحول التصريح إلى أداة ضبط وعقاب، كما توضح الدراسة، إذ يمنع منحه لمن لا تنطبق عليه شروط الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بل أصبح التصريح في بعض الحالات سبباً في الموت، كما جرى مع الخمسيني سليم أبو عيشة من جنين، الذي قتله جنود الاحتلال في أكتوبر الماضي، بضربه على رأسه خلال محاولته الدخول إلى الأراضي المحتلة عبر الجدار الفاصل منطقة الرام شمالي القدس، للعمل، تاركاً خلفه ستة أطفال، وفق ما وثقه مرصد شيرين التطوعي المتخصص في توثيق ظروف استشهاد الفلسطينيين، مشيراً إلى أن ستة فلسطينيين استشهدوا في المكان نفسه للسبب ذاته من يناير وحتى أكتوبر الماضي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية