عربي
حروب كلامية يخوضها تياران رئيسان في رابطة الكتّاب الأردنيين، عشية الانتخابات المزمع انعقاد دورتها الـ 46 الجمعة المقبل، الرابع والعشرين من الشهر الجاري، في عمّان. مجموعة من الكتّاب تنتمي أغلبيتها إلى تيار القدس الذي يُقاطع الانتخابات أصدرت بياناً الاثنين الماضي ندّد بـ"تدخل رسمي" في سير العملية الانتخابية تمثّل بحسب وصفهم "في استدعاء مرشّحين إلى الجهات الأمنية والضغط عليهم لسحب ترشيحاتهم لصالح قائمة بعينها"، في إشارة ضمنية إلى التيار الثقافي الديمقراطي الذي أعلن قائمة مرشحيه نهاية الشهر الفائت (مارس/ آذار). ولوحظ أن حوالي مئة ناشط سياسي ونقابي جلّهم من المعارضة من أصل نحو مئة وخمسين وقّعوا على البيان الذي جاء بعنوان "ارفعوا أيديكم عن الحريات العامة.. ارفعوا أيديكم عن 'رابطة الكتاب الأردنيين'"، واستنكر ما سمّاه "الضغط لإخضاع أنشطتها وندواتها الداخلية لموافقة الحاكم الإداري، في سابقة لم تعرفها الرابطة طوال تاريخها، ولا حتى في أشد مراحل الأحكام العرفية"، من دون تحديد البيان أكثر من واقعة منع سابقة لفعاليات أعلنت الرابطة عن تنظيمها خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من قبل وزارة الداخلية الأردنية، بعد فرض الإبلاغ عن أنشطتها كافة على منصة "تكامل" التي أطلقتها الحكومة، أسوة ببقية الجمعيات التعاونية في البلاد.
لم يمض يومان حتى جاء الرد من التيار الثقافي الديمقراطي تحت عنوان "التعمية عن الحقائق والقفز من الطوابق العليا"، يرفض منطق "الخصومة" مع الدولة، مغلّباً "الحوار المسؤول" و"النقد المتزن" و"الشراكة التي تحفظ للمؤسسات استقلالها، وللوطن استقراره". ورأى التيار أن البيان آنف الذكر محاولةٌ لـ"اختطاف الرابطة وعزلها عن محيطها الوطني والعربي، بدل تعزيز دورها"، مؤكداً موقفه الداعم لـ"حريّة التعبير المسؤولة" مع "خطابٍ وطني راشد، يدرك أنّ الإصلاح لا يكون بالقطيعة، ولا بتأجيج العداء، بل بالحوار، وبناء الثقة، والعمل من داخل المؤسسات لا من خارجها أو ضدّها".
تحالف ينتهي بخصومة
قدّم التياران شعارات تلتقي في كثير منها مع خلافات انحصرت في إطار التنافس الانتخابي منذ منتصف التسعينيات لكنها تنزاح اليوم أكثر إلى لغة مشحونة بـ"العدائية" وتبادل الاتهامات، حيث تشكّل تيار القدس من قوى اليسار، في غالبها، متبنياً خطاباً متشدداً يعبّر عن انحيازاته السياسية تجاه "محور المقاومة" في المنطقة، بينما قدّم التيار الثقافي الديمقراطي طروحات أكثر اعتدالاً بالنظر إلى تنوع قاعدته التي تضمّ كتّاباً غير مسيّسين (بعضهم تولى مناصب رسمية) إلى جانب شخصيات ذات توجهات يسارية غير منخرطة حزبياً.
سجال انتخابي يحجب إخفاقات في ملفات عديدة تواجه الرابطة
لم يحُل الاختلاف بين التيارين من تشكيل تحالفٍ استطاع الحصول على أغلبية في الهيئة الإدارية التي تنتهي ولايتها بعد أيام، وشاع حينها أن الرئاسة التي آلت منذ عامين إلى الباحث موفق محادين من "القدس"، تكللت باتفاق يقضي باختيار الأكاديمي رياض ياسين في "الثقافي الديمقراطي" مرشحاً توافقياً في الدورة الحالية، لكن الاجتماعات المتكررة بين كلا الفريقين خلال الشهر الماضي لم تفض إلى نتيجة، ما دفع "الثقافي الديمقراطي" بالإسراع إلى تشكيل قائمته منفرداً واتهم منافسه "القدس" بصريح العبارة في ردّه الأخير بالانقلاب على "التقاليد المهنية" وتمزيق "الاتفاقات بأصابع مشدودة إلى أوهام البقاء في السلطة التي أضاعوها بأيديهم"، واستدعائه لأسماء من خارج الرابطة في معركة "تختلط فيها الحسابات، وتُستثمر فيها الشعارات"، وفق تعبيره.
وتصل حالة الاستقطاب هذه إلى أقصاها، في مشهد انتخابي يرجّح ألا يُحسم في موعد الانتخابات بعد أيام، مع توقعات بعدم تحقق النصاب بحضور نصف أعضاء الهيئة العامة المسددين اشتراكاتهم السنوية والذين يصلون إلى نحو 460 عضواً من أصل 1100 عضو، وحينها سيتم تأجيل الانتخابات أسبوعين أو شهراً وتنظيمها بمن حضر. عند المقارنة مع الدورة الماضية التي سدد فيها 438 عضواً، يُطرح تساؤل حول حقيقة المقاطعة التي تفترض أن يقل عدد الأعضاء الذين يحق لهم التصويت لا أن يرتفع عددهم، لكن "المقاطعون" يعللون ارتفاع العدد بقبول حوالي 100 عضو محسوبين على "الثقافي الديمقراطي" خلال السنتين الأخيرتين لتمثيلهم أغلبية الأعضاء في الهيئة الإدارية؛ تهمة تتكرّر عند كلّ موعد انتخابي مع اختلاف التيار المهيمن في الدورة السابقة.
تيار وموقف ثالث
بعد فشل التوافقات بين "الثقافي الديمقراطي" و"القدس"، توجّهت الأنظار إلى اجتماعات عدة عقدها الأخير مع التيار الثالث في الرابطة ممثلاً بالقوميين، ولم تسفر عن تفاهمات تؤهلهما للتحالف انتخابياً بسبب غياب الأجواء الثقافية بين قيادات التيارين من جهة، والخلاف حول شخصية ترأس تحالفهما المحتمل من جهة أخرى. لكن التيار القومي الذي أسسته شخصيات محسوبة على حزب البعث (جناح العراق)، آثر عدم خوض انتخابات الهيئة الإدارية من دون أن يتبنّى خيار المقاطعة مثلما فعل "القدس"، معللاً قراره بـ"رفض جرّ الرابطة إلى 'مربع المجهول'، أو السماح بتمرير أجندات لا تخدم الجسم الثقافي"، ورافضاً في الوقت نفسه "أي تدخلات خارجية من شأنها المساس باستقلالية القرار الثقافي أو حرف الرابطة عن بوصلتها الوطنية والقومية التي تأسست من أجلها". بيانٌ يلتقي مع موقف "القدس" لكنه يفضل التلميح وعدم الذهاب إلى التصعيد.
وعلمت "العربي الجديد" أن "القومي" قد يصدر بياناً في الساعات المقبلة بمقاطعة الانتخابات لكنه لن يدعو إلى الاحتجاج أمام صندوق الانتخابات مثلما سيفعل أعضاء من "القدس"، بحسب تصريحاتهم المعلنة، ويفضل التيار القومي الاشتباك الإيجابي مع الهيئة الإدارية الجديدة من خلال تكثيف مشاركته في لجان الرابطة لتحسين موقعه في انتخابات الدورة الـ 47 التي تُعقد بعد عامين.
قائمة مستقلة وحظوظ قليلة
مع مشاركة تيار واحد في الانتخابات المقبلة، أعلنت قائمة "توافق" ترشحها ممثلة الأعضاء المستقلين "ضمن رؤية جديدة ومختلفة تقوم على تشكيل قائمة ليس لها أية مرجعية سوى ثوابت النظام الداخلي للرابطة"، كما أشارت في بيان تشكّلها. لكن القائمة قد لا تحظى بفرص كبيرة للنجاح، حيث يقودها القاص والمحامي أكرم الزعبي الذي ترأس الهيئة الإدارية في دورتين سابقتين عن التيار القومي قبل أن يستقيل منه، وهو يواجه تحدياً كبيراً إذا ما استرجعنا سجل الانتخابات في الرابطة على مدار العقود الماضية، حيث لم تتمكن قائمة مستقلة واحدة من حصد أغلبية في أية هيئة إدارية منتخبة.
سجال انتخابي بين التيارات الثلاثة يحجب إخفاقات في ملفات عديدة تواجه الرابطة، وأهمها امتلاك مقرّ دائم يعفيها من استئجار مبانٍ تستنزف معظم إيراداتها، وتحقيق مكاسب لكتّابها تتعلق بتحسين التأمين الصحي الممنوح لأعضائها، أو دعم حقيقي لنشر مؤلفاتهم، وغيرها من الحقوق النقابية التي لا تأخذ حقها من النقاش والنضال لتحقيقها وسط ضجيج الشعارات.
تأسست رابطة الكتاب الأردنيين عام 1974 على يد عدد من الكتّاب من أبرزهم: محمود السمرة، وعبد الرحيم عمر، وخليل السواحري، وسالم النحاس، وجمال أبو حمدان، وروكس بن زائد العزيزي. وتعاقب على رئاسة هيئتها الإدارية كل من: عبد الرحيم عمر ومحمود العابدي وروكس العزيزي ومحمد أديب العامري وعبد الرحمن ياغي ومحمود السمرة وهاشم ياغي وخليل السواحري وخالد الكركي وفخري قعوار ومؤنس الرزاز وإبراهيم العبسي وجمال ناجي وأحمد ماضي وسعود قبيلات وموفق محادين وزياد أبو لبن ومحمود الضمور وسعد الدين شاهين وأكرم الزعبي.
