عربي
بالرغم من الحرب الكبرى المنشغلة فيها إسرائيل والولايات المتحدة مع إيران، بالرغم منها والهدنة، واحتمالات، لكن المفاوضات السورية الإسرائيلية، المتقطعة، والمتوقفة منذ مدة، والممتنعة إسرائيل فيها على الوصول فيها وعبرها إلى خواتيمها المفترض أن تفضي إلى انسحابات إسرائيلية من المنطقة العازلة التي دخلتها قوات الاحتلال منذ سقوط نظام بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون أول 2024، إذ ما زال الاشتغال الأميركي يسير ضغطاً على إسرائيل، وهو موجود ومتحرّك إيجاباً، بحسب تصريحات أخيرة لمسؤول رفيع المستوى في الخارجية السورية. وهو ما يوحي بأن ما تفعله إسرائيل من عدوان مستمر لا ينقطع ولا يتوقّف، ومن تعدّيات متواصلة على المواطنين السوريين ضمن المنطقة العازلة وما حولها، ومن ثم الاستمرار في عملية القضم الجديد للأراضي السورية، هو بمثابة إجراءاتٍ تبتغي منها إسرائيل المزيد من الضغط الميداني المباشر على طريق إعادة إنتاج الاتفاق الأمني الجديد مع سورية، من الممكن هذه المرّة أن يكون مستثمراً إسرائيليّاً بشكل أكيد، جرّاء استغلال نتائج الحرب، وكذلك العربدة الإسرائيلية المستمرّة في المنطقة، وفائض القوة التي باتت تمتلكها إسرائيل في مجمل المنطقة العربية والشرق الأوسط أيضاً، بعد حربها على إيران وكذلك لبنان، وقبل ذلك حرب الإبادة التي اركبتها ضد الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية.
يبدو أن ما يجري تسريبه ويرشح من هنا أوهناك على طول المدى، لا يبرح أن يكون محاولاتٍ للوصول إلى عودة المفاوضات بين الجانبين، السوري والإسرائيلي، المنقطعة حاليّاً، ويبدو أن هذا سوف يكون قريباً، لكنه من الممكن أن يكون بشروط إسرائيلية أشد وأصعب، بل أكثر إحراجاً للحكومة السورية، التي باتت في حالة من الضرورة القصوى لبسط هيمنتها على كامل التراب السوري، وإعادة صياغة الواقع السوري الداخلي، وفق متطلبات المرحلة المقبلة، ووحدة سورية أرضاً وشعباً، توطئة لعملية البناء وإعادة الإعمار في سورية، التي باتت تكلف ما ينوف عن 600 مليار دولار، بحسب تقديرات أممية وبحثية، بعد أن تم تهديم البنية التحتية على يد الاستبداد الأسدي، بما نسبته أكثر من 65% من تلك البنية التحتية المشار إليها، وسط صمت دولي، وإشاحة في الوجه عن أي احتمالات قريبة لعقد مؤتمر عالمي دولي لإعادة إعمار سورية. ويبدو أن عدم الاهتمام الدولي بمؤتمر كهذا يستند إلى حالة من انشغالات العالم كله بما هو أهم عندهم، إذ لا يمكن أن يتحمل الشعب السوري، وليس في مقدوره أصلاً تبعات أو إمكانات البناء وإعادة الإعمار ضمن الجغرافيا السورية في ظل إرث اقتصادي سوري نهبته سلطة آل الآسد.
ما زالت إسرائيل تستثمر بنتائج الحرب الكبرى، وما زالت تضغط داخليّاً على الحكومة السورية، عبر اللعب بورقة محافظة السويداء والطائفة الدرزية
أمام هذا المشهد الصعب، هناك تحديات كبرى تقع على كاهل الحكومة السورية الجديدة نحو ذلك، وعلى هدي سياقاته ومتغيراته، فليس بإمكان الحكومة السورية القبول اليوم بأي اتفاق أمني وفق الشروط التعجيزية للإسرائيليين، كما أنه ليس بإمكانها المضي في ديناميات إعادة البناء والإعمار، من دون الانتهاء من حالة البرزخ الحالي التي تنوس بين واقع اللاسلم واللاحرب مع إسرائيل، في وقت تشهد فيه المعطيات والتغيرات الدراماتيكية في المنطقة كلها، وبدعم أميركي (ترامبي) لامحدود للكيان الإسرائيلي، يعد فيه نتنياهو نفسه والمحيط الإقليمي بأنه بصدد إنتاج شرق أوسط جديد على قدّه ومقاسه، ووفق سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وهي التي تقونن حالة إعدام الأسرى الفلسطينيين، وسط صمت مطبق من العالم على جملة الجرائم التي ترتكبها حكومة نتنياهو في الإقليم.
من هنا، أمام الحكومة السورية اليوم صعوبات وتحدّيات داخلية وخارجية كثيرة، لا يبدو أنها ستكون سهلة عليها، ولا هي قادرة على تخطيها بسلام وسلاسة في القريب العاجل، ومن ثم، يمكن أن يكون هناك اتفاق أمني مع إسرائيل يعيد تحديث اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974، وفق شروط إسرائيلية ستكون مجحفة، من الصعب قبولها ضمن حالة من الانتفاخ الإسرائيلي والعنجهية المفرطة، وفائض القوة التي بات بين أيديها، وضمن إدراك إسرائيلي مفاده بأن لا خيار أمام السوريين سوى التوقيع على اتفاق أمني جديد، يترك لسورية المجال متاحاً لإعادة البناء والإعمار على أسس جديدة، وقد يترك هذا آثاراً سلبية على مدى عقود، ضمن أجواء عدم الإمكانية للتوصل إلى أي اتفاق سلام دائم مع سورية، في ظل امتناع إسرائيل كليّاً عن الخوض في موضوع عودة هضبة الجولان المحتلة من الإسرائيليين منذ حرب 5 حزيران 1967.
وإذا كان الاتفاق الأمني المزمع بين إسرائيل وسورية قادماً لا محالة، فإن شروطه لا بد أن تكون أسهل على السوريين هذه المرّة، حتى تسير الأمور باتجاه التوقيع والإنجاز من دون حرج من حكومة دمشق، وإلا فإن مآلات هذا ستكون غاية في الصعوبة؛ إذ ما زالت إسرائيل تستثمر بنتائج الحرب الكبرى، وما زالت تضغط داخليّاً على الحكومة السورية، عبر اللعب بورقة محافظة السويداء والطائفة الدرزية، وهذا موضوع لن تتركه إسرائيل أبداً ورقة جاهزة وحاضرة وممسكة بها أيما إمساك، وهي، في الواقع، تقض مضجع كل السوريين، بعد أن عجزت حكومة دمشق عن الوصول إلى حلولٍ على مساراتها في جبل العرب والجنوب، وبعد أن غابت عمليّاً عن أية حوارات جدّية داخلية مع نخب السويداء ومجتمعها، قد تنهي إشكالية محافظة السويداء وتعيد الوطن السوري موحّداً، وتقطع الطريق على الانفصاليين، كما لا يبدو أن إسرائيل سوف تتخلّى عن هذه الورقة القوية في يدها، ولم تنتح حكومة دمشق أية مسارات عملية لاختطاف هذه الورقة من يد إسرائيل، وتحويلها إلى مسألة وطنية سورية بامتياز، لا بد من العمل عليها حثيثاً وسريعاً قبل فوات الأوان، ومن ثم منع إسرائيل من استغلالها أو استثمارها كما تريد وتبتغي.

أخبار ذات صلة.
مان سيتي سيخوض 3 مباريات قوية في 7 أيام
الشرق الأوسط
منذ 22 دقيقة